وقدرتها على حمل المعاني: (قال خطيب من الخطباء حين قام على سرير الاسكندر وهو ميت: الاسكندر كان أمس انطق منه اليوم , وهو اليوم أوعظ منه امس - يعني أن موته صار أبلغ في عظة الناس من حياته, - ومتى دل الشيء على معنى فقد أخبر عنه وان كان صامتا وأشار اليه وان كان ساكتا) وكان الصحابة ينظرون إلى وجه النبي - صلى الله عليه وسلم فيعرفون من المعاني والدلالات الكثير فتسمعهم تارة يقولون: وَأَبْصَرَ فِى وَجْهِ النَّبِىِّ، عليه السَّلام الْجُوعَ ... و يقولون: فَتَمَعَّرَ وَجْهُ النَّبِىِّ، عليه السَّلام , و تَلَوَّنَ وَجْهُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , و عرف في وجه النبي صلى الله عليه وسلم الكراهية , و رَأَيْتُ وَجْهَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَنْتَشِرُ إلخ وكذا في وجوه الناس وعلى رأسهم صحابة النبي صلى الله عليه وسلم , فحين قرأ سيدنا مصعب بن عمير القرآن على سعد بن معاذ"عُرف في وجهه الإسلام قبل أن يتكلم به، في إشراقه وتسهله"فللوجوه دلالات تفهم من النظر إليها , حال طبيعتها , وكذا حين تغضب , أو تستبشر , أو تكره , أو تحب إلخ كما أن للوجوه رسائل تلتقطها العيون فتهش لها وترتاح , أو تنقبض وتعرض , ومن كلام العلماء في وجه النبي - صلى الله عليه وسلم - ماذكره النيسابوري في تفسيره: (أن النظر إلى وجه النبي صلى الله عليه وسلم كافٍ لمن كان له قلب مستنير، فإذا انضمت الدعوة إلى ذلك كان في الهداية غاية.) (و جاء أعرابي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم جاحدًا له منكرًا , فلما وقع بصره على طلعته قال: والله ما هذا وجه كذاب،) وعلى العكس حين تنظر إلى وجوه الكافرين تجد انقباضا , وضيقا قد استوليا عليك , ولقد عبر القرآن الكريم عن حالة من حالات وجوه الكافرين فقال:"ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ"المدثر 22 .. (أي: قطب وجهه لما لم يجد مطعنًا يطعن به في القرآن) فكأن عبوس الوجه كان دليلا على عدم وجود شبهة في القرآن يطعن فيها , وقيل: إن ظهور العبوس في الوجه يكون بعد المحاورة، وظهور البسور في الوجه قبلها، والعرب تقول: وجه باسر إذا تغير واسودّ. وقال الراغب: البسر استعجال الشرّ قبل أوانه نحو بسر الرجل حاجته، أي: طلبها في غير أوانها. قال: ومنه قوله: {عَبَسَ وَبَسَرَ} أي: أظهر العبوس قبل أوانه وقبل وقته، وأهل اليمن يقولون: بسر المركب وأبسر أي: وقف لا يتقدّم ولا يتأخر،) , ولا يمكن إغفال هذه الأحوال عند الحديث عن بلاغة نص , أو فصاحة أسلوب , فهي أضواء كاشفة , وأنوار ساطعة على النص لا يمكن قراءة النص دون الرجوع إليها. وفي حديث المعصوم - صلى الله عليه وسلم - كثير من هذه الأضواء , ومن ذلك حديث عدي بن حاتم , وفيه يقول: قال النبي صلى الله عليه وسلم (اتقوا النار) . ثم أعرض وأشاح ثم قال (اتقوا النار) , ثم أعرض وأشاح , ثلاثا , حتى ظننا أنه ينظر إليها ثم قال (اتقوا النار ولو بشق تمرة فمن لم يجد فبكلمة طيبة) فالإشاحة هنا لها دلالة أخرى غير تحذير الناس من النار , إنها تظهر حذره هو - صلى الله عليه وسلم - من النار , وإبراز هذا الخوف أمام الناس ليستشعروا مدى شدتها , كما أن هذه الإشاحة ترسم مشهدا آخر , وهو نقل التجربة الحسية للناس فالإشاحة بالوجه أخرجت النار إلى حيز الحس , وأمامها رسول الله كَأَنَّهُ يَنْظُرُ إِلَيْهَا , ويرى لظاها , وما فيها من لهيب , ثم أسرع فصَرَفَ وَجْهَهُ كَالْخَائِفِ أَنْ تَنَالَهُ , أو كالهارب منها , فلما رأى الناس هذا المشهد انتقل إليهم الحذر الشديد منها , لم لا ورسول الله - صلى الله عليه وسلم , يهرب منها , ويعرض بوجهه عنها , ويفر؟!!. إنه مشهد تمثيلي تكاملت فيه الألفاظ والصورة لتنقل للمشاهدين أبلغ المعاني التحذيرية من النار , وقام بالمشهد التصويري رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كي لا يأمن أحد بعده من النار , ثم تأتي جملة تربت على القلوب , وتهدئ من الروع , وتبلل الأفئدة بحبل النجاة , وسبيل الخلاص , وهي جملة"فاتقوا النار ولو بشق تمرة".. إنها جملة أعادت الأرواح إلى القلوب بعد أن بلغت الحلقوم , فما أيسر التمرة , وما أعظم الصدقة , وما أفصح المعصوم - صلى الله عليه وسلم -. ومن المشاهد التي كان يرسمها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما روته السيدة عائشة - رضوان الله عليها أنه كان إذا عصفت الريح قال:"اللهم إني أسألك خيرها و خير ما فيها و خير ما أرسلت به , و أعوذ بك من شرها و شر ما فيها و شر ما أرسلت به". قالت: و إذا تخيلت السماء تغير لونه , و خرج و دخل , و أقبل و أدبر , فإذا مطرت سري عنه , فعرفت ذلك في وجهه. قالت عائشة: فسألته ? فقال:"لعله - يا عائشة - كما قال قوم عاد: * (فلما رأوه عارضا مستقبل أوديتهم قالوا هذا عارض ممطرنا بل هو ما استعجلتم به) والآن دع عنك الكلمات والجمل قليلا , وانظر إلى هذا المشهد سحب قادمة , وريح تعصف , ثم ينظر الصحابة فيرون رسول الله- صلى الله عليه وسلم - قد تغير لونه , وترك ما يفعله , ولو كان يصلى كما جاء في بعض الروايات , وخرج ودخل , وأقبل وأدبر , وأخذ يلح في الدعاء . ثم تفحص ما يداخلك من معان , تجد هلعا , ورعبا , مع أن المقام مقام استبشار , وتعاهد الناس على البشر حين يرون مثل هذه الغيوم , وهنا تثور في النفوس ما يثور فيها من استغراب , يتحول إلى خوف , وفزع , وترقب , وتسأل السيدة عائشة عن سبب هذه الأحوال , فيجيبها صلى الله عليه وسلم. والإجابة تأخذك إلى هذا الواقع - زمانا ومكانا وأحداثا - ثم تنظر فتجد الآيات تتنزل صباح مساء على قلبه - صلى الله عليه وسلم - تخبره بمصارع السابقين , وتقول له:"فَكُلا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ"العنكبوت40 في هذا الجو ترى رسول الرحمة , الرؤوف الرحيم , الذي جعله"