الصفحة 7 من 13

عَائِشَةَ رضي الله عنها أنه:"أَقْسَمَ أَنْ لا يَدْخُلَ عَلَى نِسَائِهِ شَهْرًا فَمَكَثَ تِسْعَةً وَعِشْرِينَ يَوْمًا، حَتَّى إِذَا كَانَ مِسَاءَ ثَلاثِينَ دَخَلَ عَلَيَّ فَقُلْتُ إِنَّكَ أَقْسَمْتَ أَنْ لا تَدْخُلَ عَلَيْنَا شَهْرًا، فَقَالَ: الشَّهْرُ هَكَذَا يُرْسِلُ أَصَابِعَهُ فِيهَا ثَلاثَ مَرَّاتٍ وَالشَّهْرُ هَكَذَا، وَأَرْسَلَ أَصَابِعَهُ كُلَّهَا وَأَمْسَكَ إِصْبَعًا وَاحِدًا فِي الثَّالِثَةِ (ومن أهم النماذج التي قام فيها العقد نائبا عن اللفظ ما رواه الإمام مسلم من حديث أبي مالك الأشجعي أن رجلا أتى النبي - صلى الله عليه وسلم , فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ أَقُولُ حِينَ أَسْأَلُ رَبِّي؟ قَالَ: قُلْ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي وَارْحَمْنِي وَعَافِنِي وَارْزُقْنِي، وَيَجْمَعُ أَصَابِعَهُ إِلا الإِبْهَامَ فَإِنَّ هَؤُلاءِ تَجْمَعُ لَكَ دُنْيَاكَ وَآخِرَتَكَ (. وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: جاء رجل بدوي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله علمني خيرا , قال: قل سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر قال:(وعقد بيده أربعا) ثم ذهب فقال: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ثم رجع , فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم تبسم وقال: تفكر البائس , فقال يا رسول الله: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر هذا كله لله فما لي؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا قلت سبحان الله. قال الله: صدقت وإذا قلت الحمد لله. قال الله: صدقت وإذا قلت: لا إله إلا الله. قال الله: صدقت وإذا قلت: الله أكبر. قال الله صدقت. فتقول: اللهم اغفر لي , فيقول الله: قد فعلت. فتقول: اللهم ارحمني فيقول الله قد فعلت. وتقول: اللهم ارزقني فيقول الله قد فعلت. قال فعقد الأعرابي سبعا في يده) والمقام هنا في هذين الحديثين مختلف عن غيرهما , فالمخاطب بهذين الحديثين رجلان من الأعراب البدو , وهذا يعني أن استخدام الوسائل الحسية هي اللغة الأقرب إلى طبيعتهما , واللغة التي يفهمها كل منهما , (فأهل البادية والأعراب يغلب عليهم الجهل والجفاء ولهذا جاء في الحديث من بدا جفا) فاستخدام حركة اليد كأنما هو رجوع بالمعنى إلى بدايته الحسية , ليتناسب مع حال المخاطبين ,وأنت تدرك أن هذا العقد يُبقي المعنى حاضرا محسوسا في قلوب الناس , يكررونه كل يوم , فهو ذكر , ودعاء , والمسلم مطالب بهذه الأدعية , وتلك الأذكار صباحا ومساء , فإذا وُضعت هذه الأذكار في يده , وعقدت عليها الأصابع , فكأنما أريد أن تظل هذه الأذكار حاضرة حية محسوسة تجمع له خير الدنيا والآخرة , لذا عدل بالمعنى من اللفظ المنطوق إلى الحركة المحسوسة وهذا العدول تراه بصورة أوضح حين يعبر القرآن الكريم عن عدد خزنة النار من الملائكة في قوله تعالى:"عليها تسعة عشر".. ثم تجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعبر عن هذا العدد بالحركة , وعقد اليدين. وتدبر هذا الحديث الذي يرويه سيدنا جابر بن عبد الله قال: قال ناس من اليهود لأناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم هل يعلم نبيكم عدد خزنة جهنم؟ قالوا لا ندري حتى نسأل نبينا فجاء رجل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال يا محمد غُلِبَ أصحابك اليوم , قال: وبم غلبوا؟ قال: سألهم يهود هل يعلم نبيكم عدد خزنة جهنم؟ قال: فما قالوا؟ قال: قالوا لا ندري حتى نسأل نبينا , قال: أيغلب قوم سئلوا عما لا يعلمون؟ فقالوا: لا نعلم حتى نسأل نبينا , لكنهم قد سألوا نبيهم فقالوا: أرنا الله جهرة ... عليّ بأعداء الله , إني سائلهم عن تربة الجنة وهي الدرمك , فلما جاءوا قالوا: يا أبا القاسم كم عدد خزنة جهنم؟ قال: هكذا وهكذا في مرة عشرة , وفي مرة تسع قالوا: نعم"هنا استعاض رسول الله عن اللفظ بالعقد , فما وجه البلاغة في ذلك؟ إن الإخبار باللفظ يشعر بالمعرفة المجردة ,وكأنما هو خبر ألقي إليه - صلى الله عليه وسلم - , فأخبر به لكن الإخبار بالعقد يشير إلى معرفته لهم بأوصافهم , وأحوالهم , وخصائصهم , وأعمالهم .... إنه إخبار يلوح بمعاينتهم , وإدراكه لكل واحد منهم على حدة , لذلك جاء في رواية"ما بين منكبي احدهما كما بين المشرق والمغرب"فالتحدي في سؤال اليهود جعل الإجابة تأخذ هذا الوجه , ليستيقن الذين أوتوا الكتاب من صدقه , ويزداد الذين آمنوا إيمانا. ومن بلاغة البيان بالعقد ما روته أم المؤمنين زينب بنت جحش (قالت استيقظ رسول الله من نومه محمرا وجهه وهو يقول لا إله إلا الله يرددها ثلاث مرات وهو يقول:"ويل للعرب من شر قد اقترب فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه وعقد عشرا", أي ليريهم مقدار ذلك الموضع المفتوح) وحلق أصبعيه والتي تليها .... وقيل: وعقد بيده تسعين , وعقد التسعين أضيق من العشرة) فشبه صلى الله عليه وسلم قدر ما فتح من السد بصفة معروفة عندهم , وهي عقد الأصابع , (يعني جعل الإصبع السبابه في أصل الإبهام وضمها حتى لم يبق بينهما إلا خلل يسير والمعنى أنه لم يبق لمجيء الشر إلا اليسير من الزمن) وهذه الحركة صورت مقدار ما تبقى من الزمن , في سياق يتحدث عن ردم يأجوج ومأجوج , وهو من العظم بمكان , ومهما قلت إنه لم يبق إلا اليسير , وأنهم حفروا حتى خرقوا الجدار , وأن موعد انهدام الجدار قد اقترب , إلخ كل هذه الألفاظ لاترقى في تجسيد المعنى , ورسمه , وإشعار السامع باقتراب الأجل مثل هذه الحركة , كما أن الحديث عن جدار , وخرق , وهدم , وهذا يناسبه رسم الجزء المنهدم , وتصويره للعيون , ولذلك كان من البلاغة الاستعاضة عن اللفظ بهذه الوسيلة التعبيرية , يقول ابن ماجة:"وعقد بيده عشرة أي ليريهم مقدار ذلك الموضع المفتوح."فليس من رأى كمن سمع. الفصل الثاني التعبير بالحال"دلالة الحال"الفرح , والحزن , والغضب , والخوف , والإقبال , والإدبار , والإعراض , والإشاحة , والحياة والموت .. إلخ كل هذه أحوال لها دلالات , تضاف إلى دلالة الألفاظ , أو توضح ما فيها من غموض , وقد تستقل بالمعنى , لأنها أقدر من اللفظ على إيصال المعنى إلى القلوب. يقول الجاحظ وهو يبرهن على دلالة الحال ,

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت