ليرسموا بها ما يريدون من أعداد , وتعد هذه الحركات اصطلاحا تعارفوا عليه (و تواضعوه بينهم ليستغنوا به عن التلفظ , وكان أكثر استعمالهم له عند المساومة في البيع فيضع أحدهما يده في يد الآخر فيفهمان المراد من غير تلفظ لقصد ستر ذلك عن غيرهما ممن يحضرهما. فعقد العشرة - مثلا - أن يجعل طرف السبابة اليمنى في باطن طي عقدة الإبهام العليا , وعقد الثلاثين ان يضم طرف الإبهام إلى طرف السبابة مثل من يمسك شيئا لطيفا كالابرة وكذلك البرغوث , وعقد السبعين ان يجعل طرف ظفر الإبهام بين عقدتي السبابة من باطنها ويلوي طرف السبابة عليها مثل ناقد الدينار عند النقد, وعقد التسعين ان يجعل طرف السبابة اليمنى في أصلها ويضمها ضما محكما بحيث تنطوي عقدتاها حتى تصير مثل الحية المطوقة وقيل: ان صورته ان يجعل السبابة في وسط الإبهام , وفيل:(إن صفة عقد التسعين أن يثني السبابة حتى يعود طرفها عند أصلها من الكف ويعلق عليه الإبهام. وعقد المائة مثل عقد التسعين لكن بالخنصر اليسرى فعلى هذا فالتسعون والمائة متقاربان ولذلك وقع فيهما الشك , واما العشرة فمغايرة لهما. ) ) وهذا الحساب صار عند العرب كأنه علم يتناقلونه بينهم , ولا يتعارض هذا مع قول النبي السابق:"نحن أمة أمية لا نكتب ولا تحسب"لأن الحساب هنا له معان أخرى أشار إليها العلماء , منها ماقاله بن العربي من أن هذا انما جاء لبيان صورة معينة خاصة , والمراد بنفي الحساب ما يتعاناه أهل صناعته من الجمع والفذلكة والضرب ونحو ذلك ومن ثم قال ولا نكتب) ويقول الألوسي في روح المعاني (وأُريدَ بذلك أنهم على أصل ولادة أمهم لم يتعلموا الكتابة والحساب فهم على جبلتهم الأولى فالأمي نسبة إلى الأم التي ولدته وقيل نسبة إلى أمة العرب وقيل: إلى أم القرى والأول أشهر) (وقيل إن الحساب هو: حساب النجوم وتسييرها ولم يكونوا يعرفون من ذلك أيضا الا النزر اليسير .. فلم نكلف في مواقيت عباداتنا ما يحتاج فيه إلى معرفة حساب ولا كتابة) والذي يعنيني هنا هو هذه الحركة , وإظهار العدد من خلال العقد باليدين , والذي فهم منه تراوح الشهر العربي بين تسعة وعشرين يوما , وثلاثين يوما , واقتصار الإخبار في ذلك على حركة اليدين , مع أن لفظ الثلاثين ولفظ التسعة والعشرين لم يكن مجهولا عند العربي, وبخاصة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. وهنا السؤال: لماذا توارى اللفظ هنا وبرزت الحركة , وعقدت الأصابع لتخبر عن عدة الشهر العربي؟ وهل في اللفظ ضعف عن أداء المراد؟ أم أن المقام هنا يحتاج إلى وسيلة أخرى للبيان غير اللفظ , وبخاصة أن العرب في الجاهلية تلاعبت بهذه الشهور , حيث (كانوا يجعلون السنة ثلاثة عشر شهرا ومن وجه آخر كانوا يجعلون السنة اثني عشر شهرا وخمسة وعشرين يوما فتدور الأيام والشهور كذلك .... و قيل كانوا يجعلون المحرم صفرا ويجعلون صفرا المحرم لئلا يتوالى عليهم ثلاثة أشهر لا يتعاطون فيها القتال ... وكانوا في الجاهلية على أنحاء منهم من يسمى المحرم صفرا فيحل فيه القتال ويحرم القتال في صفر ويسميه المحرم ومنهم من كان يجعل ذلك سنة هكذا وسنة هكذا , ومنهم من يجعله سنتين هكذا وسنتين هكذا ومنهم من يؤخر صفرا إلى ربيع الأول وربيعا إلى ما يليه ... وهكذا إلى أن يصير شوال ذا القعدة , وذو القعدة ذا الحجة ثم يعود فيعيد العدد على الأصل. وقال الخطابي كانوا يخالفون بين أشهر السنة بالتحليل والتحريم والتقديم والتأخير لأسباب تعرض لهم منها استعجال الحرب فيستحلون الشهر الحرام ثم يحرمون بدله شهرا غيره فتتحول في ذلك شهور السنة وتتبدل فإذا أتى على ذلك عدة من السنين استدار الزمان وعاد الأمر إلى أصله) هذا التلاعب بالأشهر والزيادة فيها والنقصان جعل الحديث عن عدة الشهر يحتاج إلى وسيلة لا لبث فيها , ولا تأويل , وكأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم يهذه الحركة - يخاطب كل ذي عينين , تماما كما تخبر أحدا بمعنى , فيخالفه , فتقوم بتصويره أمام عينه حتى لا تكون له حجة , فالحركة هنا أعلى صوتا , وأظهر حجة , وأفصح لسانا من اللفظ , ولقد برهنت الأبحاث والتجارب أن التعلم يجري في الدماغ عن طريق الحواس التي تزوده بالمعلومات , وثبت أن هذه الحواس ليست على درجة واحدة في قدرتها على تجميع المعلومات وتزويدها للدماغ , وجاءت نسبة مساهمة الحواس على النحو التالي:- (حاسة البصر 30%، حاسة السمع 20%، حاسة الذوق 10%، حاسة الشم 3.5%، حاسة اللمس 1.5%) وهذا يعني أن جميع الحواس تشترك في عملية التعلم مما يجعلها في حالة تيقظ وانتباه فيؤدي ذلك إلى شحذها وتقويتها. وتلحظ أيضا أن نسبة الكلام, التي تمثلها حاسة السمع لم تتعد العشرين في المائة , مما يدل على أن الدلالات والمعاني يصل أغلبها إلى الذهن عن طريق الوسائل , زد على ذلك أن في هذه الوسائل أهمية تفوق قدرة الألفاظ وحدها ومن جوانب هذه الأهمية ما يلي: 1 - تقليل الجهد، واختصار الوقت. 2 - أنها تثير اهتمام وانتباه المتلقي، وتنمي فيه دقة الملاحظة. 3 - تثبت المعلومات، وتزيد من حفظ المراد، وتضاعف استيعابه. 4 ـ تنمي الاستمرار في الفكر , واستخلاص المعاني من كل حركة أو سكنة. ووازن أنت بين معنى تلقيته من جملة ملفوظة أو مكتوبة , وبين المعنى نفسه الذي تلقيته من حركة مصورة , أو وسيلة توضيحية تجد فرقا واضحا بين صورة كل منهما في ذهنك , وتمكنه من عقلك , وقدرتك على التعبير عنه , فإذا جمع ين اللفظ والوسيلة , تكون قد جمعت بين الحسنيين. فالحركة منه- صلى الله عليه وسلم - أبلغ في إيصال المعنى المقصود إلى أذهان الحاضرين من مجرد القول , وبخاصة في مثل هذه الأغراض التي كثر فيها اللغط , ولذلك كررت في أكثر من مقام , ففي إيلائه - صلى الله عليه وسلم - نحا هذا النحو في تعريف الشهر , ففي حديث السيدة