الصفحة 5 من 13

الغسل , وكل مسرف في الماء , بحجة أن الماء لم يصل إلى الأعضاء كلها كذلك الحال في تعليم الوضوء. وأخذ الصحابة ذلك من خلال الأفعال, فلقد روى الإمام أحمد كيفية وضوء الإمام علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - , فقال: حدثنا عبد خيرٍ قال: (جلس علىٌ بعد ما صلى الفجر في الرحبة ثم قال لغلامه ائتني بطهور فاتاه الغلام بإناء فيه ماء وطست قال عبد خير ونحن جلوس ننظر إليه فأخذ بيمينه الإناء فأكفأه على يده اليسرى ثم غسل كفيه ثم أخذ بيده اليمنى الإناء فافرغ على يده اليسرى ثم غسل كفيه فعله ثلاث مرار قال عبد خير كل ذلك لا يدخل يده في الإناء حتى يغسلها ثلاث مرات ثم أدخل يده اليمنى في الإناء فمضمض واستنشق ونثر بيده اليسرى فعل ذلك ثلاث مرات ثم أدخل يده اليمنى في الإناء فغسل وجهه ثلاث مرات ثم غسل يده اليمنى ثلاث مرات إلى المرفق ثم غسل يده اليسرى ثلاث مرات إلى المرفق ثم أدخل يده اليمنى في الإناء حتى غمرها الماء ثم رفعها بما حملت من الماء ثم مسحها بيده اليسرى ثم مسح رأسه بيديه كلتيهما مره ثم صب بيده اليمنى ثلاث مرات على قدمه اليمنى ثم غسلها بيده اليسرى ثم صب بيده اليمنى على قدمه اليسرى ثم غسلها بيده اليسرى ثلاث مرات ثم أدخل يده اليمنى فغرف بكفه فشرب ثم قال هذا طهور نبي الله صلى الله عليه وسلم فمن أحب ان ينظر إلى طهور نبي الله صلى الله عليه وسلم فهذا طهوره) وفي التيمم روي البخاري حديث عمار , وفيه يقول: (بعثني رسول الله في حاجة , فأجنبت فلم أجد الماء , فتمرغت في الصعيد ,كما تمرغ الدابة , فذكرت ذلك للنبي -صلى الله عليه وسلم - فقال:(إنما يكفيك أن تصنع هكذا) , فضرب بكفه ضربة على الأرض ثم نفضها ثم مسح بها ظهر كفه بشماله أو ظهر شماله بكفه ثم مسح بها وجهه) فهذه أمور لا يفصح عنها باللفظ وحده , بل لا بد من استخدام الصورة , والحركة , إذ لا مجال لتأول هنا , أو اجتهاد , فحركة اليد , أو حركة الجسد عموما تبعث في النفس طمأنينة , وأريحية إلى اكتمال الأمر , وخروجه في أصح صورة. وهذا , وإن كنت واجده في الطهارة من الحدث الأكبر أو الأصغر , فإنك واجده في سياق آخر حيث تحتاج النفس إلى ما يطمأنها إلى صحة عبادتها , ومن ذلك ما رواه ابن عباس قال: ما سئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عمن قدم شيئا قبل شيء إلا يلقي بيديه كلتيهما. أي: يرمي بهما , مشيرا بهما إلى أنه: لا حرج. لاحظ هنا دور اليد في التعبير عن رفع الحرج , وهذا الدور لاتبلغ الكلمات مبلغه , إنه دور تستحضره النفوس كلما تذكرت تقديمها أو تأخيرها , فتهدا وتقر. ولا يمكن لأحد أن يدعي أن حركة اليد هنا أو اليدين , أو الرأس , أو العين , أو الجسد عموما لا بلاغة فيها , أو أنها زائدة عن حد المراد , أو يمكن الاكتفاء باللفظ عنها. إن حركة المعاني في بعض السياقات لا يوفيها اللفظ حقها , ومهما بلغ اللفظ مبلغة , يظل للحركة دورها في تجلية كوامن فد لا ينتبه إليها اللفظ , وحين تقرأ قول الله تعالى في سورة يوسف"قالوا - وأقبلوا عليهم - ماذا تفقدون"تشعر أن جملة"وأقبلوا عليهم"تمثل دليلا متحركا على براءتهم , فالسارق حين ينادى عليه , لا يقبل , بل يفر. لذلك جسدت هذه الحركة الدليل الدامغ على براءتهم , وأثبتها القرآن الكريم , لتتلى على مر الدهور , لتكون مفتاحا لكل من يتدبر القرآن الكريم , ويستحضر هذا المشهد , فيتأكد من براءتهم , ويدرك في الوقت نفسه دور الحركة في رسم المعاني. ومن أعجب ما تبدعه حركة الجسد لتقريب المعاني , وتبسيطها للسامعين ما رواه أبو هريرة حين قرأ هَذِهِ الآيَةَ) إِنَّ اللَّهَ يَامُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا (إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى) سَمِيعًا بَصِيرًا (قَالَ: (َرأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ يَضَعُ إِبْهَامَهُ عَلَى أُذُنِهِ وَالَّتِي تَلِيهَا عَلَى عَيْنِهِ (فالحديث هنا عن أداء الأمانات , وهو حديث محمل بألوان من الوعيد و والتهديد , بداية من قوله"الله يأمركم"وتأكيدها ب"إن", والتذكير بأن للأمانات أهلا , هم أصحابها , وتكرار جملة: أن تحكموا , ثم العظة بقوله"نعما يعظكم به"وكأنها تعني: قد أعذر من أنذر , ... في هذا السياق يقال: إن الله كان سميعا بصيرا , ويتبع النبي - صلى الله عليه وسلم - هذه الجملة بمشهد يأخذ بالقلوب و مشهد يؤكد لك أن سمع الله وبصره قائم الآن يتفقدان خلجات قلبك , ودخائل نفسك , لتتذكر هذا القيام , وتستحضر هذه الإحاطة كلما سمعت لفظة الأمانات , , فهي مما يتساهل فيه الناس , وضياعها نذير بقيام الساعة , ... وقد بَعُدَ ابن حبان - رحمه الله - حين علق على هذا الحديث فقال: إنه(: أراد صلى الله عليه وسلم بوضعه أصبعه على أذنه وعينه تعريف الناس أن الله جل وعلا لا يسمع بالأذن التي لها سماخ والتواء , ولا يبصر بالعين التي لها أشفار وحدق وبياض جل ربنا وتعالى عن أن يشبه بخلقه في شيء من الأشياء بل يسمع ويبصر بلا آلة كيف يشاء) فالسياق هنا لم يكن في بيان الكيفية التي يسمع بها ربنا أو التي يبصر بها , إنما في بيان الترهيب من تضييع الأمانات , فهذه الحركة مكملة للمعنى الذي أنتجته جملة"الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات", هذه التكملة تصور لك مدى الرقابة , والإحاطة بكل ماتفعله , ولن تجد هذا عند حذف هذا المشهد. المبحث الثاني تصوير العدد بالأصابع"دلالة العقد"روى البخاري ومسلم عن ابن عمر أنه سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول:"نحن أمة أمية لا نكتب , ولا نحسب , الشهر هكذا وهكذا وهكذا وعقد الإبهام في الثالثة والشهر هكذا وهكذا وهكذا يعني تمام ثلاثين يوما"فحساب الأعداد لم يكن شائعا عند العرب , وكانوا يستعيضون عنه بوسائل حسية منها: استخدام الحصى حتى قيل: (إن أصل الإحصاء أن الحاسب إذا بلغ عقدا معينا من عقود الأعداد كالعشرة والمائة والألف وضع حصاة ليحفظ بها كمية ذلك العقد فيبنى على ذلك حسابه) ومنها: حركة اليد والأصابع فيجمعون ويرسلون أصابعهم ,

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت