الصفحة 4 من 13

الراوي بين أن الإيماء كان محرفا , قوله"كأنه يريد القتل"كأن ذلك فهم من تحريف اليد وحركتها كالضارب ... وعن أبي عاصم عن حنظلة , قال في آخره: وأرانا أبو عاصم كأنه يضرب عنق الإنسان ... وقيل: الهرج: القتل بلسان الحبشة , ونسب ذلك إلى سيدنا أبي موسى الأشعري) وأصل الهرج في اللغة العربية الاختلاط يقال هرج الناس اختلطوا واختلفوا وهرج القوم في الحديث إذا كثروا وخلطوا. .. وأخطا من قال الهرج: القتل بلسان الحبشة , فهي عربية صحيحة , ووجه الخطأ انها لا تستعمل في اللغة العربية بمعنى القتل الا على طريق المجاز , لكون الاختلاط مع الاختلاف يفضي كثيرا إلى القتل وكثيرا ما يسمى الشيء باسم ما يؤول إليه , واستعمالها في القتل بطريق الحقيقة هو بلسان الحبش. وكيف يُدعى على مثل أبي موسى الأشعري الوهم في تفسير لفظة لغوية بل الصواب معه , واستعمال العرب الهرج بمعنى القتل لا يمنع كونها لغة الحبشة وان ورد استعمالها في الاختلاط والاختلاف) وكلام الإمام ابن حجر في أن الختلاط مع الاختلاف يفضي كثيرا إلى القتل يجيب عن السؤال الأول , فلو قيل ويكثر القتل , لظن السامعون أن القتل هنا اثناء المعارك , والحروب , لكن النبي أراد أن القتل يكثر في غير الحروب , ومبعثه الاختلاط , والاختلافات بين الناس , فاختار لفظة تجمع بين الاختلاط والاختلاف الباعث على القتل ,وهي الهرج. أما دلالة الحركة فهي تعبر تعبيرا صادقا عن الرسالة التي أراد رسول الله توصيلها إلى أصحابه , وهي تجسيد عملية القتل , ورسمها أمام العيون , لتستحضر النفوس حالة الفزع والقلق والاضطراب , وهذا الشعور لا ترسمه الكلمات كما ترسمه الصورة , ولا تفصح عنه الألفاظ كما تفصح عنه الحركة , لذلك عمد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى رسم مشهد القتل ليصاحب الألفاظ الدالة على الفوضى , حيث يقبض العلم , وتكثر الفتن , ويشيع القتل. ومن نماذج تصوير المعنى بحركة اليد ما رواه كعب ابن مالك (أنه كان له على عبد الله بن أبي حدرد الأسلمي دين فلقيه فلزمه فتكلما حتى ارتفعت أصواتهما فمر بهما النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا كعب! وأشار بيده , كأنه يقول: النصف .... فأخذ نصف ما عليه وترك نصفا) ولعلك تلحظ في إيثار الحركة هنا على اللفظ مراعاة لحال المدين , والبعد عن اللفظ الذي يؤلمه , إذا قال ضع عنه النصف , كما تلحظ هذا الإيجاز في اشتمال الحركة الصغيرة على جملة كاملة , وهي"ضع عنه نصف الدين"وهو ما عقله كعب , وبادر بتنفيذه. إن الحركة تلخص المعنى , وتسرع به , وتحمل من المؤكدات ما يطول اللفظ في حصره , وتبعث في المتلقي نشاطا لاتراه في اللفظ , وتشرك أكثر من حاسة في حمل المراد إلى القلب , وتبتعد بالمعنى عن الفهم الخاطئ , لأنها تجسده أمام العيون , وما وجدنا حركة من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلا وتبعها الفهم السريع من صحابته - رضوان الله عليهم جميعا , عكس اللفظ فإنه التأويل والتفسير يغلب عليه , وحمله على أكثر من معنى يكاد يعصف بالمراد , وراجع معي هذه الحركات) أشار بيده , غمز بحاجبه ,رمز بشفته , لمع بثوبه , ألاح بكمه) والعرب تفهم هذه الحركات وتصنفها وتتفاهم بها وتصحبها مع اللفظ تارة , و تستقل بها في الدلالة تارة أخرى , وهذه الحركات جزء أصيل في البيان عن المعاني , وهي في حاجة إلى النظر في أصولها , وقواعدها , وليس الحديث هنا عن لغة الصم والبكم , وإنما الحديث هنا عن حركات ظلت في ركاب اللفظ لم تنفك عنه احتاج السياق إليها , فأكملت جوانب خافية في المعنى , أو أكدت , أو أظهرت , أو أغلقت الباب أمام فهم خاطئ أو معنى غير مراد , ومع كل هذا ترى البلاغة العربية معرضة عن كل شيء إلا عن اللفظ , وكأنه ألقي في الهواء , أو وجد على قارعة الطريق , فزادت التخريجات , والتفسيرات , حتى ترى التركيب الواحد يشتط فيه إلى حد بعيد , ومن هنا كانت هذه الحركات والأفعال من الضرورة بمكان , يقول ابن تيمية - رحمه الله - (والإخبار تارة يكون بالقول وتارة يكون بالعمل كما يعلم الرجل غيره بالاشارة بيده ورأسه وعينه وغير ذلك , وان لم يتقدم بينهما مواضعة , لكن يعلم قصده ضرورة , مثل أن يسأله عن شيء , هل كان؟ فيرفع رأسه , أو يخفضه , أو يشير بيده , أو يكون قائما , فيشير اليه: اجلس , أو قاعدا مطلوبا فيشير اليه: أن اهرب , فقد جاء عدوك , أو نحو ذلك من الاشارات التي هي أعمال بالأعضاء , وهي تدل دلالة ضرورية تعلم من قصد الدال , كما يدل القول , وقد تكون أقوى من دلالة القول , لكن دلالة القول أعم وأوسع , فإنه يدل على الأمور الغائبة , وعلى الأمور المعضلة , وهذه الأدلة العيانية هي أقوى من وجه , ولكن ليس فيها من السعة للمعاني الكثيرة ما في الاقوال) وانظر معي مثلا إلى الغسل من الجنابة فالعلماء يقولون: (, فرض الغسل شيء واحد , وهو تعميم الجسد بالماء , ويدخل في الجسد الفم والأنف , فإنه يجب غسلهما من الداخل كما يجب غسلهما في الوضوء , والشعر الموجود على البدن يجب غسله ظاهرا وباطنا , بحيث يدخل الماء إلى داخله) وهذا يستدعي من البعض المبالغة في تعميم الجسد بالماء , والوصول إلى حد الإسراف , لكن يأتي حديث عملي يصور هذا الفعل , والحديث يرويه سيدنا جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ أَنَّهُمْ ذَكَرُوا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ الْغُسْلَ مِنْ الْجَنَابَةِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ: (أمَّا أَنَا فَأُفِيضُ عَلَى رَاسِي ثَلاثًا وَأَشَارَ بِيَدَيْهِ كِلْتَيْهِمَا) وهذا الحديث وأضرابه من الأحاديث الكاشفة عن تعليم الغسل أو الوضوء أو التيمم تجدها كلها قائمة على التصوير بالحركة , فهي تمثل بيانا على المُعَلِّم - كما يقول جنود الجيش , فلا يعقل أن تعلم أتباعك من خلال الكلام شيئا سيفعلونه بالحركات , بل الأولى أن يروا ذلك عيانا , وهذا ما فعله المعصوم - صلى الله عليه وسلم - , فحركة إفاضة الماء على الجسد باليدين ألجمت كل مبالغ في

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت