البلاغة تكون على أربعة أوجه: تكون باللفظ والخط والإشارة والدلالة، وكل وجه منها حظ من البلاغة والبيان وموضع لا يجوز فيه غيره، ورب إشارة أبلغ من لفظ. وقال رجل للعتابي: ما البلاغة؟ قال: كل ما أبلغك حاجتك وأفهمك معناه بلا إعادة ولا حبسة ولا إستعانة فهو بليغ، قالوا: قد فهمنا الإعادة والحبسة فما معنى الاستعانة؟ قال: أن يقول عند مقاطع الكلام: اسمع مني، وافهم عني، أو يمسح عثنونه، أو يفتل أصابعه، أو يكثر التفاته، أو يسعل من غير سعلة، أو ينبهر في كلامه) فهل استوعب العلم هذه الخمسة؟ الواقع أننا صببنا جل اهتمامنا على اللفظ , وتركنا أربعة وسائل حاملة للمعاني , تشارك اللفظ تارة وتستقل أخرى , وهي في جميع الحالات شريكة للفظ ولها من القدر ما يستحق النظر في بلاغتها. وعليه .... فالبحث حين يتعرض للوسائل المصاحبة للفظ من حركات الجسد , أو الاستعانة بالوسائل البيانية الأخرى لا يبعد عن ميدان البلاغة , ولا يخرج من بابها , بل هو بحث في صميم البلاغة , لأنه ينظر في الأحوال المصاحبة للفظ , الكاشفة عن المراد منه , وأثر هذه الأحوال في وضوح المعاني , وتوكيدها , وقدرة هذه الأحوال على توجيه المتلقي إلى خصائص قد لا يلتفت إليها إن عري الكلام من هذه الأحوال. الفصل الأول تصوير المعنى بأعضاء الجسد المبحث الأول تصوير المعنى باليد اشتراك الجسد في رسم المعاني , شيء في الفطرة الأولى , فالمتكلم لشدة تمكن المعنى لديه يُظهر الكلام من خلال حركات الجسم, فتجد الألفاظ والجمل وقد لبست هيئة خاصة , وظهرت مرئية على أعضاء الجسد لتنقل إلى السامع ما أراد اللسان توصيله , لكن بعدت عليه الشقة , فتجد المتكلم تارة يشير , وتارة يلوح و وتارة , يبتسم ... إلخ وهو يريد من وراء كل ذلك دلالات ومعان , وحين يعجز اللسان عن حمل المعاني لدى البعض يقوم الجسد بالنيابة عنه , فكأن حركات الجسد هي النائب عن اللسان , ولذلك قال العلماء: (إشارة الأخرس وكتابته كالبيان باللسان فيلزمه الأحكام بالإشارة والكتابة حتى يجوز نكاحه وطلاقه وعتاقه وبيعه وشراؤه وغير ذلك من الأحكام) لكن البحث ليس في معرض عجز اللسان , بل في معرض اشتراك أعضاء الجسد مع اللسان في توصيل المراد, ولكي يتضح ذلك ندلف سريعا إلى تحليل النموذج الأول , ومن أبرز النماذج على ذلك الحديث الذي رواه سيدنا أبو موسى الأشعري عََنْ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: (إِنَّ الْمُؤْمِنَ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا وَشَبَّكَ أَصَابِعَهُ (إن هذه الجملة التشبيهية التي تصور علاقة المؤمن بأخيه حوت كل أركان التشبيه(من مشبه ومشبه به , ووجه شبه وأداة) وقوله يشد بعضه بعضا هي وجه الشبه , وهذا الوجه لم يقتصر فيه على اللفظ المنطوق , بل تحركت الأصابع لترسم للمشاهد هذه العلاقة القوية بين المؤمن وأخيه , وهذا العون المتواصل الذي لا ينقطع أبدا , فالمقصود هنا أن يكون المؤمن عونا ونصيرا لأخيه , فما يحدث لأحدهما يحدث للآخر بلا فرق , فالسامع يدرك من هذه الحركة كل ما يتصوره من تماسك البنيان , وقوته , واتحاد عناصره. يقول ابن حجر - رحمه الله - (وشبك بين أصابعه) دليل على الاختلاط والامتزاج كالشئ الواحد لا على التمثيل والتنظير وفي رواية يتحدث فيها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن ترابط بني هاشم , وبني المطلب , يقول: إنا وبنو المطلب لم نفترق في جاهلية ولا إسلام وإنما نحن وهم شئ واحد وشبك بين أصابعه) فالتشابك بين الأصابع دل على هذه المعاني المنطوقة (نحن وهم شيء واحد) لس على سبيل التنظير كما وضح ابن حجر , وإنما على سبيل الحقيقة. كما تلحظ هذا الإيجاز في إدراك المعنى , وتقليل الجهد، واختصار الوقت فلو أنك اقتصرت على الصورة التشبيهية: المؤمن للمؤمن كالبنيان , وتركت العقل يتصور هذا الاتحاد لأخذ العقل فترة من الزمن حتى يستحضر البنيان , ولبناته , وملاطه , وقوة تماسكه. لكن هذه الحركة عَبَرَت بالمتلقي هذه المراحل وألقت إليه هذه المعاني في صورة مرئية , جسدت له المقصود في أسرع وقت , ومن المعلوم أن إدراك المعنى من خلال رسمه متحركا , يكون أسرع من تصوره من خلال الألفاظ وحدها , كما أن الحركة تثير اهتمام وانتباه السامعين، وتنمي فيهم دقة الملاحظة , وتصور مدى الاتحاد بين المؤمن وأخيه. زد على ذلك أن الصورة هنا يستطيع كل إنسان مشاهدتها , وتجربة قوتها , وتماسك عناصرها , فمادة الصورة هنا هي الأصابع , وكأن هناك قصد إلى ممارسة كل إنسان لهذه التجربة, حتى يتيقن من قوة اللحمة بين المسلم وأخيه , وبذلك يصل المعنى إلى القلب مصحوبا بهذا المشهد فبستقر فيه المعنى العقلي والمعني الحسي معا , وهذا من أقوى المؤكدات. ومن نماذج تصوير المعني باليد: ما رواه أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال (يقبض العلم ويظهر الجهل والفتن ويكثر الهرج) . قيل يا رسول الله وما الهرج؟ فقال هكذا بيده فحرفها كأنه يريد القتل"وفي رواية:) سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ: يُقْبَضُ الْعِلْمُ وَتَظْهَرُ الْفِتَنُ وَيَكْثُرُ الْهَرْجُ، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا الْهَرْجُ؟ قَالَ بِيَدِهِ هَكَذَا يَعْنِي الْقَتْل , وفي رواية أخرى , قيل يا رسول الله: وما الهرج فقال هكذا بيده فحرفها كأنه يريد القتل"َ (وهذا الحديث روي بروايات كثيرة يُفسّر فيها الهرج بلفظ القتل نصًا فيقال:"والهرج القتل".... وفي روايات أخرى يُسأل رسولُ الله صلى الله عليه وسلم عن الهرج ما هو؟ فيجيب: القتل , أو يجيب بتكرار اللفظة فيقول: القتل القتل. وفي هذا الحديث تدور عدة أسئلة , منها: وجه اختيار لفظ لا يعرفه الكثيرون؟ ومنها: دور الحركة في الإفصاح عن المراد؟ ولفظة الهرج - يسكون الراء -(تدلُّ على اختلاطٍ وتخليط منه هَرَّجَ الرَّجُل في حَدِيثه: خَلَّط , ويقاس على هذا فيقال لِلْقَتْل هَرْج، بسكون الراء) يقول ابن حجر: (قوله:"فقال هكذا بيده"هو من إطلاق القول على الفعل ,كأن