الصفحة 2 من 13

الصور المنظورة , وذلك من كمال البيان - ولما اجتمع الناس , وقامت الخطباء لبيعة يزيد , واظهر قوم الكراهة , قام رجل يقال له: يزيد بن المقنع , فاخترط من سيفه شبرا , ثم قال هذا أمير المؤمنين - وأشار بيده الى معاوية - فان مات فهذا - واشار بيده الى يزيد - فمن أبي فهذا , واشار بيده الى سيفه , فقال معاوية: انت سيد الخطباء) فتلحظ هنا أن الرجل اعتمد على وسائل بيانية, أوضحت عن مراده, وكانت ألفاظه قليلة, ومع ذلك قيل له: أنت سيد الخطباء. وحين يتحدث المتخصصون عن الوسائل التعليمية إنما يتحدثون عن الوسائل البيانية , ولا يعنينا هنا كون المتلقي تلميذا أو غيره , فنحن نقف الآن أمام كلام محمّل بوسائل إيضاحية ليست من قبيل اللفظ , بل هي أمور خارجة عن الكلام , وغاية المتحدث أو الملقي هو إيصال مراده إلى الآخرين وصولا كاملا , لذلك بستعين بكل ما يستطيع من وسائل إيضاحية تكشف عن مكنون القلب, وتفصح عن خبيء النفس والوسيلة في اصطلاح علماء التربية هي: (كل ما يستخدم لتوضيح المعاني والأفكار، أو التدريب على المهارات، أو التعويد على العادات الصالحة، أو تنمية الاتجاهات، وغرس القيم المرغوب فيها، دون أن يعتمد على الألفاظ وحدها , وهي باختصار جميع الوسائط التي يستخدمها المعلم في الموقف التعليمي لتوصيل الحقائق، أو الأفكار، أو المعاني لجعل المراد أكثر إثارة وتشويقا، ولجعل الخبرة التربوية خبرة حية، وهادفة، ومباشرة في نفس الوقت.) علاقة هذه الوسائل ببلاغة العربية؟ هنا يثور اعتراض حول علاقة ذلك بالكلام , فمن المعلوم سلفا أن بلاغتنا بلاغة اللفظ , وكل مافي بلاغتنا لا يبعد عن اللسان , وما ينتجه من حروف وكلمات , وجمل وتراكيب ,,,,, إلخ ,وهذا صحيح , لكنك إن أدمت النظر لوجدت أن هذه الوسائل لا تبعد عن بلا غتنا العربية , فهي أحوال مصاحبة للفظ , ترشد إلى غايته , وتفصح عن غامضه , فهي جزء من سياق الكلام ومقامه. والبلاغة العربية كما تتناول بلاغة اللفظ تتناول في الوقت نفسه بلاغة السياق والمقام , فهما بمثابة المحضن الذي ينبت فيه الكلام , والحق الذي لا أشك فيه ان اللغة العربية ليست لغة مسموعة فقط , بل هي لغة مشاهدة أيضا , وهي لغة ملموسة بل هي لغة تدرك من خلال الحواس الخمسة. ومن هنا فإن هذه اللغة لا تعيش وحدها , بل لا بد لها من بيئة تحيا فيها , وتتفاعل معها , وتأخذ منها وتعطيها , فطبقة الصوت الذي تؤدى به اللغة يعد أحد البيئات , وهيئة المتكلم , وحركة عينيه , وإشارات يديه , كل ذلك بيئة تحيا فيها اللغة. ثم ما يستخدمه المتكلم من أدوات , ووسائل يستعين بها على توصيل أغراضه إلى السامعين , كل هذه بيئة تنمو فيها اللغة , وتنهض , وتزدهر. وكلما كان النص محاطا ببيئة غنية وافرة , مترعة بالوسائل الكاشفة عن المراد , والمفصحة عن المقصود , كان أوفر حظا من النص الذي أرسل عاريا من وسائل الإفصاح , وإذا كانت الفصاحة هي الظهور والوضوح فلماذا نربطها بالكلام , وهو أحد الوسائل الحاملة للمراد؟!!! لماذا لا تكون الفصاحة شاملة كل الطرق الحاملة للغرض؟ فالبيان هو كل ما كشف لك قناع المعنى وهتك الحجب دون الضمير , ورحم الله العقاد , فلقد قال: (الفصاحة صفة تجتمع للكلام , ولهيئة النطق بالكلام , ولموضوع الكلام .. فيكون الكلام فصيحا وهيئة النطق به غير فصيحة , أو يكون الكلام والنطق به فصيحين , ثم لا تجتمع لموضوعه صفة الفصاحة السارية في الأسماع والقلوب , فكان أعرب العرب كما قال عليه السلام:"أنا قرشي واسترضعت في بني سعد بن بكر"فله من اللسان العربي أفصحه بهذه النشأة القرشية البدوية الخالصة وهذه هي فصاحة الكلام) لقد أزاح العقاد الباب بعض الشيء حين جعل الفصاحة للكلام ولهيئة الكلام ,ولموضوع الكلام , فزاد على ما قرره البلاغيون فصاحة هيئة الكلام , وفصاحة موضوع الكلام. فالفصاحة لا ينبغي أن تقتصر على اللفظ المنطوق -كلاما أو متكلما - بل ينبغي أن تشمل اللفظ , وما يصاحبه من وسائل مهمتها في الحقيقة الإفصاح عن المعنى , والكشف عن المراد , والبيان عما في الضمائر , ولذلك يقول الطاهر بن عاشور في تفسيره لقول الله تعالى"علمه البيان: إنها (خبر ثالث تضمن الاعتبار بنعمة الإِبانة عن المراد والامتنان بها بعد الامتنان بنعمة الإِيجاد، أي علّم جنس الإِنسان أن يُبين عما في نفسه ليفيده غيره ويستفيد هو. والبيان: الإِعراب عما في الضمير من المقاصد والأغراض وهو النطق وبه تميز الإِنسان عن بقية أنواع الحيوان فهو من أعظم النعم. وأما البيان بغير النطق من إشارة وإيماء ولمح النظر فهو أيضًا من مميزات الإنسان وإن كان دون بيان النطق .. ) فهناك بيان بغير النطق يصاحب البيان بالتطق , ولعل من المفيد هنا أن أذكر القارئ بعبارة الجاحظ وهو يتحدث عن أنواع البيان فيقول: (والبيان اسم جامع لكل شيء - أكرر هذه العبارة: اسم جامع لكل شيء - كشف لك قناع المعنى , وهتك الحجب دون الضمير , حتى يفضي السامع الى حقيقته , ويهجم على محصوله , كائنا ما كان ذلك البيان , ومن اي جنس كا ن ذلك الدليل , لأن مدار الأمر , والغاية التي إليها يجرى القائل والسامع إنما هي الفهم والإفهام , فبأي شيء بلغت الإفهام وأوضحت عن المعنى فذاك هو البيان في ذلك الموضع) ويقول (اعلم حفظك الله ان حكم المعاني خلاف حكم الالفاظ لان المعاني مبسوطة الى غير غاية وممتدة الى غير نهاية وأسماء المعاني مقصورة معدودة ومحصلة محدودة وجميع أصناف الدلالات على المعاني من لفظ وغير لفظ خمسة أشياء لا تنقص ولا تزيد أولها اللفظ ثم الاشارة ثم العقد ثم الخط ثم الحال وتسمى نصبة والنصبة هي الحال الدالة التي تقوم مقام تلك الاصناف ولا تقصر عن تلك الدلالات) والنقاد قديما لم يغفلوا عن هذه الوسائل المصاحبة للفظ (قال أحمد بن محمد بن عبد ربه صاحب العقد:"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت