الصفحة 10 من 13

فضحك رسول الله حتى بدت نواجذه تصديقا لقول الحبر) وأنكر العلامة ابن حجر أن يكون الضحك تصديقا لكلام الحبر , وذهب إلى أنه إنكار لما قال , وتكذيبا له , وسواء كان الضحك تصديقا - وهذا ما أراه - أو تكذيبا كما قال العلامة ابن حجر , فالذي يعنيني هنا أن الضحك كان وسيلة بيانية , فهم منها الصحابة معنى لم يدل عليه بالكلام. وَقَدْ اِشْتَدَّ إِنْكَار اِبْن خُزَيْمَةَ عَلَى مَنْ اِدَّعَى أَنَّ الضَّحِك الْمَذْكُور كَانَ عَلَى سَبِيل الْإِنْكَار، فَقَالَ بَعْد أَنْ أَوْرَدَ هَذَا الْحَدِيث فِي"كِتَاب التَّوْحِيد"مِنْ صَحِيحه بِطَرِيقِهِ قَدْ أَجَلَّ اللَّهُ تَعَالَى نَبِيَّهُ صَلَّى اللَّهَ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ أَنْ يُوصَف رَبّه بِحَضْرَتِهِ بِمَا لَيْسَ هُوَ مِنْ صِفَاته فَيَجْعَل بَدَل الْإِنْكَار وَالْغَضَب عَلَى الْوَاصِف ضَحِكًا، بَلْ لَا يُوصِف النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهَذَا الْوَصْف مَنْ يُؤْمِن بِنُبُوَّتِهِ، وَقَدْ وَقَعَ الْحَدِيث الْمَاضِي فِي الرِّقَاق عَنْ أَبِي سَعِيد - رَفَعَهُ"تَكُون الْأَرْض يَوْم الْقِيَامَة خُبْزَة وَاحِدَة يَتَكَفَّؤُهَا الْجَبَّار بِيَدِهِ كَمَا يَتَكَفَّؤُ أَحَدُكُمْ خُبْزَته"الْحَدِيث، وَفِيهِ أَنَّ يَهُودِيًّا دَخَلَ فَأَخْبَرَ بِمِثْلِ ذَلِكَ فَنَظَرَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى أَصْحَابه ثُمَّ ضَحِكَ.) وعلق النووي على ذلك فقال: (ظَاهِر الْحَدِيث أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَدَّقَ الْحَبْر فِي قَوْله: إِنَّ اللَّه تَعَالَى يَقْبِض السَّمَوَات وَالْأَرْضِينَ، وَالْمَخْلُوقَات بِالْأَصَابِعِ، ثُمَّ قَرَأَ الْآيَة الَّتِي فِيهَا الْإِشَارَة إِلَى نَحْو مَا يَقُول، قَالَ الْقَاضِي: وَقَالَ بَعْض الْمُتَكَلِّمِينَ: لَيْسَ ضَحِكه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَعَجُّبه وَتِلَاوَته الْآيَة تَصْدِيقًا لِلْحَبْرِ، بَلْ هُوَ رَدّ لِقَوْلِهِ، وَإِنْكَار وَتَعَجُّب مِنْ سُوء اِعْتِقَاده، فَإِنَّ مَذْهَب الْيَهُود التَّجْسِيم، فَفُهِمَ مِنْهُ ذَلِكَ، وَقَوْله تَصْدِيقًا لَهُ إِنَّمَا هُوَ مِنْ كَلَام الرَّاوِي عَلَى مَا فُهِمَ، وَالْأَوَّل أَظْهَر.) ولعلك تدرك أن هذه الخلاف يرجع إلى مذهب كل رأي في الأسماء والصفات , فابن حجر يؤول , والآخرون يقبلون ما ورد دون تشبيه , وسواء كان هذا أم ذاك فموضوعنا على دلالة الضحك إما على التصديق , وإما على الإنكار , وكلا الرأيين يثبت دلالة الضحك على المعاني. ومن أبرز النماذج التي ترسخ قدرة الضحك على حمل المعاني ما أخرجه الإمام أحمد عن عمرو بن العاص، رضي الله عنه، أنه قال لما بعثه النبي صلى الله عليه وسلم عام ذات السلاسل قال: احتلمت في ليلة باردة شديدة البرد , فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك، فتيممت ثم صليت بأصحابي صلاة الصبح، قال: فلما قدمتُ على رسول الله صلى عليه وسلم ذكرت ذلك له، فقال:"يا عمرو صَلَّيت بأصحابك وأنت جُنُبٌ؟!!!"قال: قلت يا رسول الله: إني احتلمت في ليلة باردة شديدة البرد، فأشفقت إن اغتسلت أن أهلكَ، فذكرت قول الله"عزوجل" {وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا} فتيممت ثم صليت. فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يقل شيئا.) وعدم التعليق بالكلام هنا , والاقتصار على الضحك دليل على إجازة ما فعله سيدنا عمرو بن العاص , وإرشاد لغيره بانتهاج هذا المنهج , فالدين يسر لا عسر , وتقدير الأحوال , والنظر في العواقب , والأخذ بالرخص عند الضرورة منهج أقره رسول الله صلى الله عليه وسلم بضحكه من فعل سيدنا عمرو , وقد علق ابن حجر على ذلك فقال: (لَمْ يَلُمْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَمْرًا، فَكَانَ ذَلِكَ تَقْرِيرًا دَالًّا عَلَى الْجَوَاز) وكان صاحب عون النعبود أكثر صراحة في الإشارة إلى دلالة الضحك حيث قال: (فِي الحديث دَلِيل عَلَى جَوَاز التَّيَمُّم عِنْد شِدَّة الْبَرْد مِنْ وَجْهَيْنِ: الْأَوَّل: التَّبَسُّم وَالِاسْتِبْشَار، وَالثَّانِي: عَدَم الْإِنْكَار، لِأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يُقِرّ عَلَى بَاطِل، وَالتَّبَسُّم وَالِاسْتِبْشَار أَقْوَى دَلَالَة مِنْ السُّكُوت عَلَى الْجَوَاز.) فكأن الضحك هنا دليل قوي على جواز ما فعله سيدنا عمرو بن العاص رغم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يقل ذلك , لكن الضحك أغنى عن الكلام , وحل محله , ودل على إصابة سيدنا عمرو في استنتاجه واستدلاله. الفصل الثالث البيان بالوسائل الخارجية (الخط - الحصى - العصى) المبحث الأول: البيان بالخط ما سبق كان بيانا عن المعاني بوسائل من داخل الجسد , باليد , أو الوجه , ,أو الأحوال , لكن رسول الله - صلى الله عليه وسلم قد يجمع مع اللفظ وسيلة بيانية أخرى , يستخدم من خلالها الخطوط المرسومة , أو الحصباء , أو أعواد الحطب , وكل وسيلة من هذه الوسائل ترسم للمعنى طريقه , وتأخذ بناصيته. وأول هذه الوسائل الخط , ولا أعني بالخط هنا الكتابة , وتحويل المنطوق إلى كلمات مكتوبة كما أرشد النبي - صلى الله عليه وسلم الرجل الأنصاري الذي لا يحفظ أن يكتب مايسمعه وإنما أعني بالخط هنا الوسائل الإيضاحية التي تُرسم , فتكون معينة للمتلقي على تصور المعنى والإحاطة به , ولقد أصبحت هذه الوسائل التي ترسم للمتعلمين هي الأبرز والأقوي في التأثير , والأسرع في إيصال المعلومة إلى السامع , لأنها مصحوبة بالمشهد , فهي ترسم المعني المنثور في جمل وعبارات كثيرة من خلال صورة تلتقطها العين دفعة واحدة فتصل إلى الذهن كاملة الهيئة , مجسدة الملامح , فتراها العين فتنقلها على عجل إلى الذهن , وهذا عكس الكلمات المسموعة التي تنقلها الأذن إلى الذهن فيلهث خلف تحليلها , وتصورها ثم فهمها , واستيعاب المراد منها. وقارن أنت بين صورة مرئية أمام العين , وبين التعبير عنها من خلال الكلمات حتى تدرك الفرق بين ما حصله الذهن من هذا ومن ذاك. ولقد حفلت السنة الشريفة بهذه الوسائل التى أرشد إليها المعصوم - صلى الله عليه وسلم - في كثير من توجيهاته , وهذه بعض النماذج: عن ابن مسعود - رضي الله عنه خطًا مربعًا وخط خطًا في الوسط خارجًا منه، وخط خططًا صغارًا (- قال: خط النبي إلى هذا الذي في الوسط، من جانبه الذي في الوسط، وقال: هذا الإنسان، وهذا أجله محيط به -أو قد أحاط به-، وهذا الذي هو خارج: أمله، وهذه الخطط الصغار: الأعراض، فإن أخطأه هذا، نهشه هذا، وإن أخطأه هذا، نهشه هذا. وخل عنك الصورة , وتدبر الكلام وحده , ستجد

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت