الذهن قد أخذ وقتا , وبذل جهدا كبيرا , في تحصيل المعنى , ولن يأتيك المعنى كما جاءك بعد أن ضممت إلى اللفظ الصورة , وجعلتها له عونا ونصيرا , ولا شك أن الجمع بين هذه الصورة , وما بسطه رسول الله من كلام , أحدث في النفس قاعدة لا تنسى , هذه القاعدة رسمت في الذهن أن (الأجل أقرب إلى الإنسان من الأمل) , وصارت هذه القاعدة صورة محفورة أمام العيون , تراها في حلها وترحالها , حيث جاء التمثيل بالصورة في أعقاب المعني كما قال الإمام عبد القاهر - رحمه الله - , ولو أننا نظرنا إلى هذه الوسائل كلها في هذا البحث لوجدناها داخلة في علم البيان حيث تحولت الكلمات والمعاني إلى صور مرقومة , ومشاهد مرسومة , وتلك حقيقة علم البيان. ومن أبرز النماذج التي استخدمها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خطا وخط عن يمين (لتوضيح المعاني ما رواه سيدنا عبد الله بن عباس قال خط رسول الله الخط وعن شماله خططا ثم قال هذا صراط الله مستقيما وهذه السبل على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه ثم قرأ {وأن هذا صراطي مستقيما} . وفي الصورة تلحظ ما يلي: 1 - أن طريق الرشد طريق واحد , أما طرق الضلال فمتعددة 2 - أن طرق الضلال ملتبسة بطريق الرشد وقريبة منه حتى ليخيل للناظر أنها هو فهي به محيطة , تقترب منه تارة , وتبعد عنه أخرى , مما يستدعي التأني والنظر في العاقبة. 3 - أن طريق الرشد طريق مستقيم , لا يتلون بزمان ولا مكان , ولا أشخاص 4 - أن طرق الضلال قد تبدو أيسر , وأشد اختصارا من طريق الحق. 5 - أن السبل في بدايتها زينة وإغواء من الشيطان , لذا قيل: على كل سبيل منها شيطان , لكن عاقبتها فرقة واختلاف , أما سبيل الله تعالى فهو سبيل اعتصام , فحين تجد الطريق يؤدي بك إلى الفرقة فاعم أنه طريق شيطان , وهذه من أمارات سبل الضلال. وهذه المعاني تدركها جميعا من خلال الصورة المرسومة دفعة واحدة , وتتأكد لديك كلما راجعت الصورة , وكررت النظر , فكأن الصورة التوضيحية هنا أضافت للكلام بعدا آخر وهو ترسيخ المعاني , وإبرازها في شكل مختلف عن الكلمات المسموعة , وهذا مما يثير النفس ويحفزها , وينبهها إلى ما ينبغي أن تسلك , لأن في الأمر إشكالا , وتزيينا من الشيطان , والتباسا تنخدع به النفوس , يقول الإمام أبو حامد الغزالي:(والمشكل أن الأبواب المفتوحة إلى القلب للشيطان كثيرة وباب الملائكة باب واحد، وقد التبس ذلك الباب الواحد بهذه الأبواب الكثيرة فالعبد فيها كالمسافر الذي يبقى في بادية كثيرة الطرق غامضة المسالك في ليلة مظلمة فلا يكاد يعلم الطريق إلا بعين بصيرة وطلوع شمس مشرقة. والعين البصيرة ههنا هي القلب المصفى بالتقوى. والشمس المشرقة هو العلم الغزير المستفاد من كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم مما يهدي إلى غوامض طرقه، وإلا فطرقه كثيرة وغامضة. قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: خط لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يومًا خطا وقال"هذا سبيل الله"ثم خط خطوطًا عن يمين الخط وعن شماله ثم قال"هذه سبل على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه"ثم تلا"وأن هذا صراطي مستقيمًا فاتبعوه ولا تتبعوا السبل"لتلك الخطوط فبين صلى الله عليه وسلم كثرة طرقه.) فكأن الصورة تضع أمام السامع العلامات الإرشادية التي تهديه إلى طريق الله , طريق الرشاد. (قال القاضي أبو الفرج: وهذا القول من النبي صلى الله عليه وسلم والتمثيل من أبين الأقوال البليغة وأفصحها، وأرصن الأمثال البليغة المضروبة الصحيحة وأوضحها، وذلك أنه خط خطًا جعله مثل الصراط في استقامته إذ لا زيغ فيه ولا ميل، ثم خط خطوطًا يمنة وشأمة آخذه في غير سمته وجهته، تفرق بمن سلكها واتبعها عن السبيل التي هي سبيل الهدى، والنجاة من مرديات الهوى، وبهذا جاء وحي الله وتنزيله في كتابه الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، قال: جل ذكره:"شرع لكم من الدين ما وصي به نوحًا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه"فدل هذا على مثل ما دلت عليه الآية التي تلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخبر الذي رويناه فقال تعالى:"إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعًا لست منهم في شيء"وقال:"فتقطعوا أمرهم بينهم زمرًا كل حزب، بما لديهم فرحون"في كثير مما يضاهي هذا المعنى) ومن نماذج الخط في الأرض لتعليم السامعين , وتمثيل المعاني أمام الناظرين ما رواه سيدنا عبد الله ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ:) خَطَّ رَسُولُ اللَّهِ فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ خُطُوطٍ، قَالَ: تَدْرُونَ مَا هَذَا؟ فَقَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ أَفْضَلُ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ؛ خَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ وَفَاطِمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدٍ وَآسِيَةُ بِنْتُ مُزَاحِمٍ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ وَمَرْيَمُ ابْنَةُ عِمْرَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُنَّ أَجْمَعِينَ (. وقد جاء تفضيل هؤلاء الأربعة في رواية أخرى تتحدث عن القدوة , وأنهن بلغن درجة الكمال لمن أرادت المثل الأعلى بين نساء الدنيا , والحديث يرويه سيدنا أنس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه"قَالَ حَسْبُكَ مِنْ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ مَرْيَمُ ابْنَةُ عِمْرَانَ وَخَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ وَفَاطِمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدٍ وَآسِيَةُ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ.") وتثور هنا عدة أسئلة: وهي هل هناك أوجه شبه بين النساء الأربع؟ وهل هناك تفاضل بين الأربعة؟ وما الذي أضافته الصورة المرسومة للمعنى؟ وللإجابة على السؤال الأول: أقول نعم , وإلا لما جمعن تحت راية الكمال والخيرية , فهن جميعا قدوة لكل من أرادت من النساء قدوة لها , ولو أن الكمال في الرجال وحدهم لتعللت النساء بأنهن لا قدوة لهن , لكن في كل واحدة من الأربع قدوة , فمن أرادت القدوة في التبتل والانقطاع للطاعة , والعفاف فمريم تكفيها , ومن أرادت القدوة في الصبر على أذى الزوج فآسية تكفيها , ومن أرادت القدوة في رعاية زوجها وعونه , وتربية الأولاد , فخديجة تكفيها , ومن أرادت