القدوة في الخير كله ففاطمة تكفيها , ويؤكد هذا قوله"حسبك من نساء العالمين مريم .... إلخ َيْ الْوَاصِلَةِ إِلَى مَرَاتِبِ الْكَامِلِينَ فِي الِاقْتِدَاءِ بِهِنَّ وَذِكْرِ مَحَاسِنِهِنَّ وَمَنَاقِبِهِنَّ وَزُهْدِهِنَّ فِي الدُّنْيَا وَإِقْبَالِهِنَّ عَلَى الْعُقْبَى - رضي الله عنهم أجمعين. وفي رسم الخطوط الأربعة دون تفضيل , أو تمييز إشارة واضحة إلى أن الأربعة سواء , فكل منهن سبيل مستقيم لكل من أرادت أن تسلك طريق الكمال. فالروايات لم تذكر إلا أربعة خطوط دون إشارة إلى زيادة إحداها على الأخرى , أو استقامة خط دون آخر , وهذا يجرنا إلى إجابة السؤال الثاني , حيث رأى البعض أن هناك تفاضل بين الأربعة , وهناك من تتقدم الصف , مع الإقرار بأنهن أفضل النساء , فالمقدمة على الأربعة هي مريم ابنة عمران , لقول الله تعالى"إن الله اصطفاك وطهرك واصطفاك على نساء العالمين".) لكني أميل إلى رأي الإمام النووي حيث قال: (الْأَظْهَرُ أَنَّ مَعْنَاهُ أَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا خَيْرُ نِسَاءِ الْأَرْضِ فِي عَصْرِهَا، وَأَمَّا التَّفْضِيلُ بَيْنَهُمَا فَمَسْكُوتٌ عَنْهُ.) ويؤكد هذا أن الروايات المتنوعة جاءت بتقديم كل واحدة منهن مرة , فعند ابن كثير قدمت السيدة خديجة ثم فاطمة ثم مريم ثم آسية. وعند الإمام أحمد روايتان الأولى قدمت فيها السيدة مريم فالسيدة خديجة فالسيدة فاطمة فالسيدة آسية , والأخرى قدمت فيها السيدة خديجة. لكن الملاحظ أن السيدة خديجة والسيدة فاطمة اقترنتا في جميع الروايات سواء في المقدمة , أو في الوسط , أو في الخاتمة. وأقصد من هذا: أن التفاضل لم يكن مقصودا من رسم الخطوط ,فلم يشر إلى أن الخط الأول هو كذا , والثاني كذا ... , ولم يشر أيضا إلى استواء , أو اعوجاج , ولم يشر إلى طول خط دون آخر , إنما فقط أربعة خطوط , فالكل سواء , وهذا يعني أن ا المقصود - كما أفهم - الإشارة إلى السيادة , والكمال , والخيرية , والقدوة للجميع , رضي الله عنهن جميعا المبحث الثاني البيان بالحصى قلت إن إيصال المعلومة إلى المتلقي واضحة جلية هو هدف من أهداف البلاغة العربية , وحين تعبر عن معنى ما , ثم تستعين بوسيلة من وسائل الإيضاح , فليس معنى ذلك أن اللفظ قد عجز عن حمل المراد , وإنما تريد أن تنقل للمتلقي مدى أهمية المعنى , وخطورته, وحرصك على وصوله إليه دون لبس أو غموض , لأجل ذلك تستعين بكل وسيلة توضيحية , لتكشف عن مرادك. ولا شك أن المتكلم يستعين بما يراه متاحا أمامه من وسائل, وكلما تعددت الوسائل , وتنوعت زاد البيان عن المعاني , وأنا هنا أدعو كل من يتصدي للتعليم والبيان أن يسلك هذا السبيل , وأن يستفيد من شتى الوسائل التوضيحية التي ملأت الدنيا - سواء منها المسموعة أو المرئية - كما تعلمنا من النبي صلى الله عليه وسلم. وتعال معي نقف على واحد من هذه الأحاديث , فعن عبد الله بن بريدة عن أبيه قال: قَالَ النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - هَلْ تَدْرُونَ مَا هَذِهِ وَمَا هَذِهِ؟ (وَرَمَى بِحَصَاتَيْنِ) قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: هَذَاكَ الأَمَلُ، وَهَذَاكَ الأَجَلُ (يقول المناوي في معنى الحديث: (قَوْلُهُ:"مَا مَثَلُ هَذِهِ وَهَذِهِ": أيْ هَذِهِ الْحَصَاةِ وَهَذِهِ الْحَصَاةِ(وَرَمَى بِحَصَاتَيْنِ) أَيْ: إِحْدَاهُمَا قَرِيبَةٌ وَالْأُخْرَى بَعِيدَةٌ , وَالْجُمْلَةُ حَالِيَّةٌ. (هَذَاك) أَيْ هَذَا الْحَصَاءُ الْمَرْمِيُّ بَعِيدًا (الْأَمَلُ) . أَيْ: مَرْجُوُّهُ وَمَامُولُهُ الَّذِي يُظَنُّ أَنَّهُ يُدْرِكُهُ قَبْلَ حُلُولِ أَجَلِهِ. (وَهَذَاك) , أَيْ الْحَصَاءُ الْمَرْمِيُّ قَرِيبًا: (الْأَجَلُ) .أَيْ: مَوْتُهُ فَيَشْتَغِلُ الْإِنْسَانُ بِمَا يَامُلُهُ وَيُرِيدُ أَنْ يُحَصِّلَهُ فَيَلْحَقُهُ الْمَوْتُ قَبْلَ أَنْ يَصِلَهُ.) فالحديث ينقل للمتلقي بعد المسافة بين الأمل والأجل , وكان من الممكن أن يقال: إن الأمل بعيد جدا , والأجل قريب جدا , وهكذا ينتقل المعنى من خلال اللفظ إلى الذهن , فيقوم الذهن بتصور المسافة الفارقة بينهما , ويظل المعني حبيس كل واحد بحسب مايراه من بعد بين الأجل والأمل , لكن رسول الله سلك طريقا آخر للبيان وهو طريق التمثيل الحسي , فأشرك الصحابة معه في تصوير المعنى ,حيث عاينوا بأنفسهم هذا البعد بين الأمرين , فأخذ حصاتين ,ثم رمى بالأولى في جهة, وبالأخرى في الجهة المقابلة, ثم حرك الأذهان, واستثارها بالسؤال عن هذا الذي يرونه أمامهم, من بعد بين الحصاتين, وهنا أصبح الذهن في أتم الاستعداد لتلقي المعنى دون لبس, فقال:"هذاك"بالإشارة إلى البعيد الأمل"وهذاك"بالإشارة أيضا إلى البعيد: الأمل ,فلقد اتسعت المسافة بينهما , وهاهم يرون ذلك عيانا , وليس الخبر كالمعاينة. ومن نماذج استخدام الحصى في البيان عن المعاني ما رواه سيدنا أبو سَعِيدٍ الْخُدْرِيّ قالَ:) دَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -فِي بَيْتِ بَعْضِ نِسَائِهِ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ الْمَسْجِدَيْنِ الَّذِي أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى؟ قَالَ: فَأَخَذَ كَفًّا مِنْ حَصْبَاءَ فَضَرَبَ بِهِ الأَرْضَ ثُمَّ قَالَ: هُوَ مَسْجِدُكُمْ هَذَا .. لِمَسْجِدِ الْمَدِينَةِ (ولقد حصل الخلاف في تعيين المسجد الذي أسس على التقوى , فقيل إته مسجد قباء , لقوله بعده"فيه رجال يحبون أن يطهروا"وقيل إنه مسجد الرسول - صلى الله عليه وسلم - لصريح هذا الحديث في تعيينه , والحق كما قال ابن حجر(أن كلا منهما أسس على التقوى , وقوله تعالى في بقية الآية"فيه رجال يحبون أن يطهروا"يفيد أن المراد مسجد قباء ... - فتعارض ظاهر الآية مع صريح الحديث - , وعلى هذا فالسر في جوابه بأن المسجد الذي أسس على التقوى مسجده - صلى الله عليه وسلم -رفع توهم أن ذلك خاص بمسجد قباء) وهذه لفتة جليلة من الإمام ابن حجر , فلما كان هناك لبس في تعيين المسجد بسبب قوله"فيه رجال يحبون أن يطهرو , لنزولها في أهل قباء كان التأكيد بأنه مسجد المدينة , وبضرب الأرض بالحصياء رافعا لكل توهم ومزيلا لكل شك , ونافيًا لكل ريب , حيث نقل إلى المتلقي المعنى مصحوبا بمشهد تصويري لا يدع لأحد بعده شك في أن المسجد المراد هو مسجد النبي - صلى الله عليه وسلم - في المدينة ,وقد كان الإمام النووي أكثر صراحة