الصفحة 13 من 13

في التعبير فقال: (هذا نص بأنه - يعني مسجد المدينة - المسجد الذي أسس على التقوى , وردّ لما ذكره بعض المفسرين أنه مسجد قباء , وأما أخذه الحصباء وضربه في الأرض فالمراد به المبالغة في الإيضاح لبيان أنه مسجد المدينة) المبحث الثالث البيان بالعصى تظل العصى هي الوسيلة الأكثر شيوعا في يد المتحدثين , فبها يُشار , وبها يُخط , وبها يصور المعنى المراد ويرسم , وقد جاء مثل ذلك في حديث النبي - صلى الله عليه وسلم - ومن أبرز النماذج في ذلك مارواه سيدنا أنس بن مالك أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّ بِشَجَرَةٍ يَابِسَةِ الْوَرَقِ فَضَرَبَهَا بِعَصَاهُ فَتَنَاثَرَ الْوَرَقُ فَقَالَ إِنَّ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَرُ لَتُسَاقِطُ مِنْ ذُنُوبِ الْعَبْدِ كَمَا تَسَاقَطَ وَرَقُ هَذِهِ الشَّجَرَةِ) وروى القرطبي عن قتادة: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أخذ غصنا فخرطه , حتى سقط ورقه وقال:"إن المسلم إذا قال سبحان الله , والحمد لله , ولا إله إلا الله , والله أكبر , تحاتت خطاياه , كما تحات هذا. خذهن إليك أبا الدرداء , قبل أن يحال بينك وبينهن , فإنهن من كنوز الجنة , وصفايا الكلام , وهن الباقيات الصالحات"والقارئ يدرك الفرق بين إلقاء المعنى مجردا , وبين الاستعانة بهذا العود , أو تلك العصى , فالنظر إلى هذه الشجرة وورقها يتناثر أمام العيون , ويذهب يمنة ويسرة متباعدا عنها يحفر في الذهن صورة المعنى المراد توصيلة , وهو أن هذه التسبيحات تصنع في الإنسان ما صنعته العصى فهي تهز الجسد هزا شديدا فتطرح عنه خبثه من الذنوب والخطايا , وتفرقها عنه , حتى لا تعود بينها وبين الجسد علاقة. كذلك الحال في الصورة الثانية التي أزال فيها رسول الله الأوراق بيده , فالقصد من الصورتين إيصال هذا المشهد إلى الذهن ليرى الذنوب والخطايا وهي تتساقط بفعل هذه التسبيحات. فالذهن حين يرى المعنى مصورا أمامه يفسح له بابا ليستقر فيه , فالمعاني المصورة تدخل إليه دخول المأنوس به , و يزيد من هذا الأنس ما يحصل في كثير من النماذج من استثارة وتنشيط بالسؤال , ومن ذلك ما رواه سيدنا أبو سعيد الْخُدْرِيِّ) أَنَّ النَّبِيَّ غَرَزَ بَيْنَ يَدَيْهِ عودا , ثُمَّ غَرَزَ إِلَى جَنْبِهِ آخَرَ ثُمَّ غَرَزَ الثَّالِثَ فَأَبْعَدَهُ. ثُمَّ قَالَ: هَلْ تَدْرُونَ مَا هَذَا؟ قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: هَذَا الإِنْسَانُ وَهَذَا أَجَلُهُ، وَهَذَا أَمَلُهُ، يَتَعَاطَى الأَمَلَ وَالأَجَلُ يَخْتَلِجُهُ دُونَ ذَلِكَ (فقضية الأجل والأمل , وهي ملخص الحياة البشرية , كانت شاغلة بال رسول الله صلى الله عليه وسلم , فصورها مرة بالخطوط , وصورها أخرى بالحصى , وهاهو يصورها هنا بالغرز في الأرض لكن الأحاديث كلها متوافقة على أن الأجل أقرب من الأمل , وفي كل مشهد يخرج المعنى صارخا في الناس بصوت جديد , فهو تارة يقول إن الأمل يذهب بعيدا , في الوقت الذي يأتي الأجل ليقطعه قبل اكتماله , وتارة أخرى يظهر في صورة الشيئين المتنافرين , فهذا يذهب في جهة وهذا يذهب في جهة مقابلة , كما جاء في صورة الحصى. أما هنا فالصورة المرسومة تشكلت من خلال غرز الأعواد في الأرض , وأنا هنا استحضر هذا المشهد , فالرسول صلى الله عليه وسلم جالس , وحوله الصحاية فيأخذ عودا فيغرسه في الأرض , ثم يأخذ آخر فيغرسه بجواره , ثم يأخذ ثالثا فيغرسه بعيدا , وهنا يكتمل المشهد , ويبقى البيان , والتحليل , لكن رسول الله لا يبدأ التحليل مباشرة , بل يثير العقول , ويلفت الانتباه , من خلال السؤال"أتدرون ما هذا؟"والصحابة لا تعرف ما المقصود من هذه الصورة , فيجيبون بالنفي , فيقول - صلى الله عليه وسلم - موضحا وهم ينظرون إلى هذا المشهد البياني , هذا - يقصد العود القريب - الإنسان , وهذا - يقصد العود الذي بجواره - هو أجله , فالإنسان والأجل متقاربان , فالأجل أقرب إليه من شراك نعله , وهنا يرتسم في عقل كل مشاهد هذا التلازم بين الإنسان وأجله , .... ولكن ما هذا العود البعيد؟ وقبل السؤال تأتي الإجابة , إنه الأمل , الذي يشتط فيه الإنسان , فيرسمه بعيدا وشتان بين الإنسان وأمله. والتعبير عن الإنسان وأمله وأجله بالغرس المغروس في الأرض , يشير إلى أن هذه الثلاثة ثابته , لا تتغير حقائقها , فكأنها مغروسة في علم الغيب الذي لا يتبدل , فالأجل مع الإنسان متلازمان لا ينفك أحدهما عن الآخر , وكذلك الأمل لكل إنسان بعيد المنال أن يحققه في دنياه , فكل إنسان له آمال عراض تيقى معه مادام حيا , ولكن هيهات أن تتحقق جميعا. الخاتمة الحمد لله , والصلاة والسلام على رسول الله , وعلى آله وصحبه ومن والاه , وبعد: فهذا بحث بلاغي أردت من خلاله أن أفتح الباب لنوع من البيان ظل زمنا طويلا حبيس النصوص الشريفة , ولم يأخذ حظه من النظر مثلما أخذت الألفاظ والجمل. إنه بحث في الوسائل المصاحبة للألفاظ , ودورها في حمل المعاني , ولقد تبين من خلال ذلك أن هذه الوسائل جزء لا ينفك عن الألفاظ بأي حال , إذ لا يمكن لأحد أن يتكلم إلا وهو مستحضر , مستعينا بها , معتمدا عليها في كثير من الأوقات. كما تبين أن هذه الوسائل تقوم مقام التشبيه والاستعارة , والتوكيد بأنواعه , فهي ليست بعيدة عن عالم البلاغة , بل هي جزء منه , وإن لم تكن من عالم الألفاظ. فهذه الوسائل تمثل البيئة التي تحيا فيها اللغة , وهي جزء من السياق والمقام المحيط بالألفاظ , وكلما كانت هذه البيئة غنية مترعة كانت اللغة أعلى شأنا , وأوفر معنى , وأوسع دلالة. كما أن هذه الوسائل تحمل من خصائص البيان الكثير , مثل الإيجاز , وهو روح البلاغة ومعدنها, وتقليل الجهد , واختصار الوقت , وإشراك المتلقي في تحرير المعن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت