وقال: بل توسّعوا حين صار الملحوظ إبقاء سلسلة الإسناد لأكثر من ذلك ، بحيث كان يُكتب السماع عند المزِّي وبحضرته لمن يكون بعيدا عن القارئ ، وكذا للنّاعس والمتحدِّث ، والصبيان اللذين لا ينضبط أحدهم ، بل يلعبون غالبا ولا يَشتغلون بمجرّد السماع ، حكاه ابن كثير (1) .
فهذه كلمات الأئمة مُتتابعة في أن الأسانيد في العصور المتأخِّرة لا يُعتبر بها بِقَدْرِ ما تَبْقَى بها سلسلة الإسناد .
فهل خالَفهم ابن الصلاح ؟
هذا الذي تتابع عليه الأئمة هو ما قاله ابن الصلاح ، حيث قال: وَقَدْ فُقِدَتْ شُرُوطُ اَلأَهْلِيَّةِ فِي غَالِبِ أَهْلِ زَمَانِنَا , وَلَمْ يَبْقَ إِلاَّ مُرَاعَاةُ اِتِّصَالِ اَلسِّلْسِلَةِ فِي اَلإِسْنَادِ (2) .
وقال أيضا: وينبغي بعد أن صار الملحوظ إبقاء سلسلة الإسناد أن يُبكِّر بإسماع الصغير في أول زمان يصح فيه سماعه (3) .
وقال في المسألة الرابعة عشرة: أعرض الناس في هذه الأعصار المتأخرة عن اعتبار مجموع ما بيّنا من الشروط في رواة الحديث ومشايخه ، فلم يتقيدوا بها في رواياتهم ، لتعذر الوفاء بذلك على نحو ما تقدم ، وكان عليه من تقدم (4) .
وكم من الأسانيد يتناقلها العلماء إلى زماننا هذا لا يُعرف حال رواتها ، ولا يُعتبر بها .
وبطبيعة الحال لا يُعمل بها ، ولا يُبنى عليها أحكام .
ولذا قال الإمام القاسمي: توسَّع الحفاظ رحمهم الله تعالى في طبقات السَّماع (5) .
(1) فتح المغيث شرح ألفية الحديث (2/51) .
(2) نَقَله ابن كثير في اختصار علوم الحديث . ( الباعث الحثيث - مرجع سابق - 1/321) .
(3) علوم الحديث ، مرجع سابق . ص (157) .
(4) علوم الحديث ، مرجع سابق . ص (151) .
(5) قواعد التحديث ، مرجع سابق . ص (227) .