والصواب أن هذا من باب التعزير والعقوبات المالية الراجعة إلى اجتهاد الأئمة فإنه حرق وترك وكذلك خلفاؤه من بعده ونظير هذا قتل شارب الخمر في الثالثة أو الرابعة فليس بحد ولا منسوخ وإنما هو تعزير يتعلق باجتهاد الإمام [1] .
وقال الحافظ العراقي في حديث تحريق البيوت على الْمُتخلِّفين عن الصلاة:
فِيهِ جَوَازُ الْعُقُوبَةِ بِالْمَالِ مِنْ قَوْلِهِ"نُحَرِّقُ بُيُوتًا"وَإِلَيْهِ ذَهَبَ أَحْمَدُ، وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إلَى أَنَّ الْعُقُوبَاتِ بِالْمَالِ مَنْسُوخَةٌ بِنَهْيِهِ عَنْ إضَاعَةِ الْمَالِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَقَدْ يُقَالُ: هَذَا مِنْ بَابِ مَا لا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إلا بِهِ؛ لأَنَّهُمْ قَدْ يَخْتَفُونَ فِي مَكَان لا يُعْلَمُ فَأَرَادَ التَّوَصُّلَ إلَيْهِمْ بِتَحْرِيقِ الْبُيُوتِ [2] .
وقد تقدّم قول شيخ الإسلام ابن تيمية أن هذا القول لم يقُل به الجمهور.
وأما التعليل بالمنع من العقوبات المالية بإضاعة المال لا يستقيم؛ فلا يستقيم أيضا لأن الذي نهى عن إضاعة المال هو الذي أمَرَ بالعقوبات المالية.
فدعوى النسخ لا يُسلَّم بها، ولم يدلّ دليل على النّسخ.
فإن قيل:
ما هي حُدود العقوبات المالية؟
وهل تَسْري على كل أحد؟
فالجواب:
أن"العقوبة إنما تَسُوغ إذا كان المعاقب مُتَعَدِّيًا بِمَنْعِ واجب أو ارتكاب محظور، وأما ما تولّد من غير جنايته وقَصْدِه فلا يُسَوِّغ أحدٌ عقوبته عليه" [3] .
(1) أضواء البيان، مرجع سابق (2/ 304) .
(2) طرح التثريب (2/ 507) .
(3) حاشية ابن القيم (4/ 319) .