الأول: أن المقصود ب (الجمهور) هنا، إنما هم الأئمة الأربعة، تبعًا للسلف، كما فصل القول في ذلك العلامة ابن القيم الجوزية في"إغاثة اللهفان" (1/ 226 - 230) ، ولذلك لما نسب ابن المطهر الشيعي إلى أهل السنة"إباحة الملاهي والغناء"كذّبه شيخ الإسلام ابن تيمية في ردّه عليه في"منهاج السنة"فقال (3/ 439) :
"هذا من الكذب على الأئمة الأربعة، فإنهم متفقون على تحريم المعازف التي هي آلات اللهو كالعود ونحوه، ولو أتلفها متلف عندهم لم يضمن صورة التالف، بل يحرم عندهم اتخاذها".
والأمر الآخر: عزو الشوكاني الترخيص إلى (أهل المدينة) يوهم بإطلاقه أن منهم مالكًا، وليس كذلك، وإن كان مسبوقًا إليه كقول الذهبي في ترجمة (يوسف بن يعقوب بن أبي سلمة الماجِشون،"قلت أهل المدينة يترخصون في الغناء، وهم معروفون بالتسمُّح فيه"
وذكر فيها:"أنه كانت جواريه في بيته يَضرِبنَ بالمعزف".
فأقول: ليس منهم الإمام مالك يقينًا، بل قد أنكره عليهم هو وغيره من علماء المدينة، فروى أبو بكر الخلال في"الأمر بالمعروف" (ص 32) وابن الجوزي في"تلبيس إبليس" (ص 244) بالسند الصحيح عن إسحاق بن عيسى الطباع - ثقة من رجال مسلم - قال: سألت مالك بن أنس عما يترخص فيه أهل المدينة من الغناء؟ فقال:"إنما يفعله عندنا الفسّاق".
ثم روى الخلال بسنده الصحيح أيضا عن إبراهيم بن المنذر - مدني ثقة من شيوخ البخاري - وسئل فقيل له: أنتم تُرخصون [في] الغناء؟ فقال:"معاذ الله، ما يفعل هذا عندنا إلا الفسّاق".
ويؤيد ما ذكرت ما روى الخلال عن يعقوب بن بختان أن أبا عبد الله سئل عن ضرب الدُّف في الزفاف ما لم يكن غناء؟ فلم يكره ذلك، وسئل عن الدف عند الميت؟ فلم ير