ومن ذلك أشعار ينشدها المتزهدون بتطريب وتلحين تزعج القلوب إلى ذكر الآخرة، ويسمونها (الزهديات) ، كقول بعضهم: يا غاديا في الغفلة ورائحا إلى متى تستحسن القبائح
وكم إلى كم لا تخاف موقفا يستنطق الله به الجوارح
يا عجبا منك وأنت مبصر كيف تجنبت الطريق الواضحا
فهذا مباح أيضا، وإلى مثله أشار أحمد في الإباحة.
فأما الأشعار التي ينشدها المغنون المتهيئون للغناء، يصفون فيها المستحسنات والخمر وغير ذلك مما يحرك الطباع ويخرجها عن الاعتدال، ويثير كامنها من حب اللهو، وهو الغناء المعروف في هذا الزمان مثل قول الشاعر:
ذهبي اللون تحسب من وجنته النار تقتدح * * خوفوني من فضيحته ليته وافى وأفتضح!
وقد أخرجوا لهذه الأغاني ألحانا مختلفة، كلها تُخرج سامعها عن حيز الاعتدال، وتثير حب اللهو، ولهم شيء يسمونه (البسيط) يزعج القلوب عن مهل، ثم يأتون بالنشيد بعده، فيعجعج القلوب، وقد أضافوا إلى ذلك ضرب القضيب والإيقاع به على وفق الإنشاد، والدف بالجلاجل، والشبابة النائبة عن الزمر.
ثم روى ابن الجوزي تحريم الغناء عن مالك، وعن أبي حنيفة أيضا، وقال"قال الطبري: فقد أجمع علماء الأمصار على كراهية الغناء والمنع منه، وإنما فارق الجماعة إبراهيم بن سعد وعبيد الله العنبري، وقد قال صلى الله عليه وسلم: من فارق الجماعة مات ميتة الجاهلية"
قال ابن الجوزي: وقد كان رؤساء أصحاب الشافعي رضي الله عنهم ينكرون السماع، وأما قدماؤهم فلا يعرف بينهم خلاف، وأما أكابر المتأخرين فعلى الإنكار، منهم أبو الطيب الطبري، وله في ذم الغناء والمنع منه كتاب مصنف.
فهذا قول علماء الشافعية وأهل التدين، وإنما رخص في ذلك من متأخريهم من قل علمه، وغلبه هواه، وقال الفقهاء من أصحابنا الحنابلة لا تُقبلُ شهادة المغني والرّقاص، والله الموفق""
سادسًا: لماذا الموسيقى محرمة؟