تعليق الألباني: وفي هذه الأحاديث والآثار دلالة ظاهرة على جواز الغناء بدون آلة في بعض المناسبات، كالتذكير بالموت، أو الشوق إلى الأهل والوطن، أو للترويح عن النفس، والالتهاء عن وعثاء السفر ومشاقه، ونحو ذلك، مما لا يتخذ مهنة، ولا يخرج به عن حد الاعتدال، فلا يقترن به الاضطراب والتثني والضرب بالرجل مما يخل بالمروءة، كما في حديث أم علقمة مولاة عائشة: أن بنات أخي عائشة رضي الله عنها خُفضِن، فألِمنَ ذلك، فقيل لعائشة: يا أم المؤمنين! ألا ندعو لهن من يلهيهن؟ قالت: بلى، قالت: فأرسلت إلى فلان المغني، فأتاهم، فمرت بهم عائشة رضي الله عنها في البيت، فرأته يتغنى ويحرك رأسه طربا، وكان ذا شعر كثير، فقالت عائشة رضي الله تعالى عنها:
"أف! شيطان، أخرجوه، أخرجوه".، فأخرجوه. أخرجه البيهقي والبخاري في"الأدب المفرد"بسند حسن أو يحتمل التحسين، وقد أوردته في"صحيح الأدب المفرد"
وفصل الخطاب أن نقول:
ينبغي أن ينظر في ماهية الشيء، ثم يطلق عليه التحريم أو الكراهة أو غير ذلك، والغناء يطلق على أشياء: منها: غناء الحجيج في الطرقات، فإن أقواما من الأعاجم يقدمون للحج فينشدون في الطرقات أشعارا يصفون فيها الكعبة وزمزم والمقام. . فسماع تلك الأشعار مباح، وليس إنشادهم إياها مما يطرب، ويخرج عن الاعتدال.
وفي معنى هؤلاء: الغزاة، فإنهم ينشدون أشعارا يحرضون بها على الغزو، وفي معنى هذا إنشاد المبارزين للقتال للأشعار تفاخرا عند النزال، وفي معناه أشعار الحُداة في طريق مكة كقول قائلهم: بشَّرها دليلُها وقالا غدا تَرَينَ الطلح والجبالا
وهذا يحرك الإبل والآدمي، إلا أن ذلك التحريك لا يوجب الطرب المخرج عن حد الاعتدال.
وقد كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم حاد يقال له: (أنجشة) ، فتُعْنِق الإبل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"يا أنجشة! رويدك سوقا بالقوارير".