قلت: وفي الاستدلال بهذا الحديث على ما ترجم له وقفة عندي، لأنها واقعة عين لا عموم لها، وقياس الفرح بقدوم غائب مهما كان شأنه على النبي صلى الله عليه وسلم قياس مع الفارق كما هو ظاهر،"وقد يُشكل هذا الحديث على بعض الناس، لأن الضرب بالدف معصية في غير النكاح والعيد، والمعصية لا يجوز نذرها ولا الوفاء بها."
والذي يبدو لي - والقول للألباني - في ذلك أن نذرها لما كان فرحا منها بقدومه عليه السلام صالحا منتصرا، اغتفر لها السبب الذي نذرته لإظهار فرحها، خصوصية له صلى الله عليه وسلم دون الناس جميعا، فلا يؤخذ منه جواز الدف في الأفراح كلها، لأنه ليس هناك من يُفرح به كالفرح به صلى الله عليه وسلم، ولمنافاة ذلك لعموم الأدلة المحرمة للمعازف والدفوف وغيرها، إلا ما استثني كما ذكرنا آنفا"."
وقد شرح الخطابي، فقال في"معالم السنن"ضرب الدف ليس مما يُعد في باب الطاعات التي يعلق بها النذور، وأحسن حاله أن يكون من باب المباح، غير أنه لما اتصل بإظهار الفرح بسلامة مقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قدم المدينة من بعض غزواته، وكانت فيه مساءة الكفار، وإرغام المنافقين صار فعله كبعض القرب التي من نوافل الطاعات، ولهذا أبيحَ ضرب الدف"."
خامسًا: الغناء بدون موسيقى (الشعر والأناشيد)
قد يقول قائل: ها نحن أولاء قد عرفنا حكم الغناء بآلات الطرب، وأنه حرام إلا الدف في العرس والعيد، فما حكم الغناء بدون آلة؟
وجوابا عليه أقول: لا يصح إطلاق القول بتحريمه، لأنه لا دليل على هذا الإطلاق، كما لا يصح إطلاق القول بإباحته، كما يفعل بعض الصوفيين وغيرهم من أهل الأهواء قديما وحديثا، لأن الغناء يكون عادة بالشعر، وليس هو بالمحرم إطلاقا، كيف، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول:"إن من الشعر حكمة". رواه البخاري، وهو مخرج في"الصحيحة" (2851) ، بل إنه كان يتمثل بشيء منه أحيانا كمثل شعر عبد الله بن رواحة رضي الله