أولا: غاب عنه الفرق بين السماع والاستماع، ففسر الأول بالثاني، وهو خطأ ظاهر لغة وقرآنا وسنة، ولذلك قال ابن تيمية عقب حديث عائشة المذكور آنفا:"وليس في حديث الجاريتين أن النبي صلى الله عليه وسلم استمع إلى ذلك، والأمر والنهى إنما يتعلق بالاستماع، لا بمجرد السماع كما في الرؤية، فانه إنما يتعلق بقصد الرؤية لا ما يحصل منها بغير الاختيار، وكذلك في اشتمام الطيب إنما ينهى المحرم عن قصد الشم، فأما إذا شم ما لم يقصده فإنه لا شيء عليه وكذلك في مباشرة المحرمات كالحواس الخمس من السمع والبصر والشم والذوق واللمس، إنما يتعلق الأمر والنهى في ذلك بما للعبد فيه قصد وعمل، وأما ما يحصل بغير اختياره فلا أمر فيه ولا نهي."
وقد استدل بعضهم للمسألة بحديث عبد الله بن بريدة عن أبيه:
أن أمة سوداء أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم - ورجع من بعض مغازيه - فقالت: إني كنت نذرت إِن ردك الله صالحا (وفي رواية: سالما) أن أضرب عندك بالدف [وأتغنى] ؟ قال:"إن كنت فعلت (وفي الرواية الأخرى: نذرت) ، فافعلي، وإن كنت لم تفعلي فلا تفعلي"
فضربت، فدخل أبو بكر وهي تضرب، ودخل غيره وهي تضرب، ثم دخل عمر، قال: فجعلت دفها خلفها، (وفي الرواية الأخرى: تحت إستها ثم قعدت عليه) ، وهي مقَّنعة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إن الشيطان ليفرق (وفي الرواية: ليخاف) منك يا عمر! أنا جالس ههنا [وهي تضرب] ، ودخل هؤلاء [وهي تضرب] ، فلما أن دخلت [أنت يا عمر] فعلت ما فعلت، وفي الرواية: ألقت الدف)". أخرجه أحمد والسياق له، والرواية الأخرى مع الزيادات للترمذي، وصححه هو وابن حبان.
وقد ترجم لحديث بريدة هذا جدُّ ابن تيمية رحمهما الله تعالى في"المنتقى من أخبار المصطفى"بقوله:"باب ضرب النساء بالدف لقدوم الغائب وما في معناه".