الصفحة 12 من 23

وقد كنت ذكرت نحو هذا في مقدمتي لكتاب الشيخ نعمان الآلوسي:"الآيات البينات في عدم سماع الأموات"، وتساءلت فيها (ص 46 - 47) : من أين جاء أبو بكر رضي الله عنه بهذا الأصل؟ فقلت:"الجواب: جاء من تعاليم النبي صلى الله عليه وسلم وأحاديثه كثيرة في تحريم الغناء وآلات الطرب، (ثم ذكرت بعض مصادرها المتقدمة، ثم قلت:) لو لا علم أبي بكر بذلك، وكونه على بينة من الأمر ما كان له أن يتقدم بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم وفي بيته بمثل هذا الإنكار الشديد، غير أنه كان خافيا عليه أن هذا الذي أنكره يجوز في يوم عيد، فبينه له النبي صلى الله عليه وسلم بقوله:"دعهما يا أبا بكر، فإن لكل قوم عيدا وهذا عيدنا"، فبقي إنكار أبي بكر العامُّ مسلّما به، لإقراره صلى الله عليه وسلم إياه، ولكنه استثنى منه الغناء في العيد، فهو مباح بالمواصفات الواردة في هذا الحديث".

وأما أنه صلى الله عليه وسلم لم ينكر على الجاريتين - فحقٌّ، ولكن كان ذلك في يوم عيد فلا يشمل غيره هذا أولا.

وثانيا: لما أمر صلى الله عليه وسلم أبا بكر بأن لا ينكر عليهما بقوله:"دعهما"، أتبع ذلك بقوله:"فإن لكل قوم عيدا. . ."فهذه جملة تعليلية تدل على أن علة الإباحة هي العيدية - إذا صح التعبير -، ومن المعلوم أن الحكم يدور مع العلة وجودا وعدما، فإذا انتفت هذه العلة بأن لم يكن يوم عيد لم يبح الغناء فيه كما هو ظاهر، ولكن ابن حزم لعله لا يقول بدليل العلة كما عُرف عنه أنه لا يقول بدليل الخطاب، وقد رد عليه العلماء، ولا سيما شيخ الإسلام ابن تيمية في غير موضع من"مجموع الفتاوى"

والخلاصة: أن خطأ ابن حزم إنما نشأ من توهمه أن النبي صلى الله عليه وسلم أنكر إنكار أبي بكر على الجاريتين مُطلقا، وليس من إقراره صلى الله عليه وسلم للجاريتين، وذلك لأنه هذا إنما يدل على إباحة مقيدة بيوم عيد كما تقدم، وبالدف، وليس بكل آلات الطرب، وبالصغار من الإناث كما صرح به العلماء، قال ابن الجوزي في"تلبيس إبليس"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت