فأقبل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، (وفي رواية: فكشف النبي صلى الله عليه وسلم عن وجهه) فقال: دعهما [يا أبا بكر! [ف] إن لكل قوم عيدا، وهذا عيدنا]، فلما غفل غمزتهما فخرجتا"."
قلت: فاحتج ابن حزم على الإباحة للتغني بالدف فقال تعليقا على قوله:"وليستا بمغنيتين"
"قلنا: نعم، ولكنها قد قالت:"إنهما كانتا تغنيان"، فالغناء منهما قد صح، وقولها:"ليستا بمغنيتين"أي: ليستا بمحسنتين، وهذا كله لا حجة فيه، إنما الحجة في إنكاره صلى الله عليه وسلم على أبي بكر قوله:"أمزمار الشيطان عند رسول الله صلى الله عليه وسلم؟، فصح أنه مباح مطلق لا كراهية فيه، وأن من أنكره فقد أخطأ بلا شك"."
وجاوب عليه الشيخ الألباني بقوله:
من الواضح جدًا لكل ناظر في هذا الحديث أنه ليس فيه الإباحة المطلقة التي ادعاها، كيف وهي تشمل مع الجواري الصغار - النساء الكبار، بل والرجال أيضا، كما تشمل كل آلات الطرب، وكل أيام السنة وهذا خطأ واضح جدا، فيه تحميل للحديث ما لا يحتمل، وسببه خطأ آخر أوضح منه وقع فيه، ألا وهو قوله:
"إنما الحجة في إنكاره صلى الله عليه وسلم على أبي بكر قوله: أمزمار الشيطان عند رسول الله صلى الله عليه وسلم".
قلت: فليس في الحديث شيء من هذا الإنكار، ولو بطريق الإشارة، وإنما فيه إنكاره صلى الله عليه وسلم إنكار أبي بكر على الجاريتين، وعلل ذلك بقوله:"فإن لكل قوم عيدا ..."
قلت: وهذا التعليل من بلاغته صلى الله عليه وسلم، لأنه من جهة يشير به إلى إِقرار أبي بكر على إنكاره للمزامير كأصل، ويصرح من جهة أخرى بإقرار الجاريتين على غنائهما بالدف، مشيرا بذلك إلى أنه مستثنى من الأصل، كأنه صلى الله عليه وسلم يقول لأبي بكر: أصبت في تمسكك بالأصل، وأخطأت في إنكارك على الجاريتين، فإنه يوم عيد.