أدلة الفريق المانع دفع الزكاة لسلاطين الجور:
استدل هذا الفريق بقوله تعالى:"ولا ينال عهدي الظالمين"وجه الدلالة أن سلاطين الجور ظلمة والله نزع عهده من الظالمين بالتالي لا ينال ولاية أخذ الزكاة وصرفها، ورد عليهم الفريق الأول بأن الآية ليست في كل النزاع وعلى فرض أنها دليل في كل النزاع فقد خصصت بالأحاديث المذكورة.
واستدلوا أيضا بما رواه أبي شيبة عن خزيمة قال: سألت ابن عمر عن الزكاة فقال: ادفعها إليهم، ثم سألته بعد ذلك فقال: لا تدفعها فإنهم قد أضاعوا الصلاة (11) .
ورد عليهم الجمهور بأن هذا قول صحابي لا حجة فيه ومع ذلك فهو ضعيف الإسناد لأنه من رواية جابر.
موازنة بين أدلة الفريقين:
الفريق الأول تمسك بالأصل المتفق عليه وهو أن أصل ولاية جمع الزكاة وصرفها ثبتت لولي الأمر وجوره لا يسلبه هذا الحق لأنهم قالوا لا يعزل ولا يجوز الخروج عليه إلا أن كفر كما ذكر صاحب إصاءة الدجنة حين قال:
"ولا يجوز عزله إلا أن كفر، وحافر البغي هوى فيما حفر"لأن عزله قد تترتب فتنة بين المسلمين تكون عاقبتها أعظم من ظلمه.
والفريق الثاني يرى الجور يخل الولاية وهي العدل وبالتالي يسقط حقه في ولاية الزكاة جمعا وصرفا.
ورأي الفريق الأول أرجح لأن أدلتهم من القرآن والسنة والإجماع واضحة الدلالة في الموضوع، ولأن الزكاة من نظام الدولة وتنظيم المجتمع كما قلنا سابقا وما دام السلطان هو قائم على أمر الدولة ومسئول عن إقامة الدنيا فيها فلا يسقط حقه في ولاية الزكاة جمعا وصرفها، ولا يسقط حقه في بقية أمور الدولة، ولأن الفريق الثاني يوافق الجمهور في حالة مطالبة السلطان بالزكاة لأنهم لا يقولون بالامتناع فهذا دليل على اعترافهم بحقه.
آراء بعض أئمة المذاهب:
رأي المالكية جاء في المدونة الكبرى، قال مالك: إذا كان الإمام يعدل لم يسع الرجل أن يفرق زكاة ماله الناض ولا غيره، ولكن يدفع زكاة الناضي للإمام، وأما ما كان من الماشية وما أنبتت الأرض فإن الإمام يبعث في ذلك، وسئل عن الخوارج يأخذون الصدقات والجزية ثم قتلوا هل تؤخذ الصدقات والجزية مرة ثانية فقال لا أرى ذلك تؤخذ منهم ثانية (12) .
وقال الدرديري في الشرح الكبير على مختصر خليل: أن من دفعها لجائر معروف بالجور في صرفها وجار بالفعل لم يجر بأن دفعها لمستحقها أجزأت، إما إذا كان عادلا في الأخذ والصرف وجائرا في غيرها فالدفع إليه واجب (13) .
يرى المالكية أنها تدفع للسلطان الجائر - إذا كان جوره لا يتعلق بالأخذ والصرف - أما إذا كان جوره يتعلق بالأخذ والصرف فلصاحب المال التهرب من الدفع إليه إذا كان ذلك ممكنا.
رأي الحنفية: يرى الحنفية أن سلاطين الجور إذا أخذوا زكاة الأموال الظاهرة أو الخراج وصرفوها في محلها فلا إعادة على أربابها وإن لم يصرفوها في محلها المشروع فعلى أصحاب الأموال إعادة فيما بينهم وبين الله، أما الخراج فلا إعادة له لأنهم مصارفه فهو حق المقاتلة، وهم يقاتلون أهل الحرب، واختلف في الأموال الباطنة فافتى بعضهم بعدم الإجزاء لأنه ليس للظالمين ولاية أخذ الزكاة وصرفها ولهذا لا يصح الدفع إليهم