وأفتى بعضهم بالصحة (14) .
رأي الحنابلة أن الخوارج والبغاة إذا أخذوا الزكاة أجزأ عن صاحبها وكذلك كل من أخذها من السلاطين أجزأ صاحبها سواء عدل فيها أو جار وسواء أخذها قهرا أو دفعها إلي اختيارا (15) .
خلاصة القول في هذه المسالة:
إن ولاية أخذ الزكاة وصرفها من مصارفها حق ثابت بالأصالة لولي الأمر في الدولة المسلمة، فإن كان عادلا أجمع السلف والخلق على ثبوت هذه الولاية له. وإن كان جائرا وطالب بدفعها إليه فإن الجميع يتفقون على وجوب دفعها إليه، وإن كان جائرا وجوره لا يتعلق بالأخذ والصرف فإنها تعطي إليه، وإن كان جائرا وجوره يتعلق بالأخذ والصرف فلصاحب المال إن وجد حيلة للتهرب وصرفها بنفسه على المستحقين، وأما من أكره فله أن يفعل.
وإذا لم يكن بالبلاد ولي أمر أو كان كافرا أو كان مسلما ولكنه لا يسأل عن الزكاة فعلى الأفراد المسلمين أن يخرجوا زكاة أموالهم ويصرفوها في مصارفها كما يؤدون الصلاة، ولا تسقط الزكاة بغياب ولي الأمر المسلم ولو أمرهم ولي الأمر بالترك. والزكاة لا تسقط أيضا بعدم وجود الفقراء لأنها شرعت علاجا للأغنياء قبل الفقراء، والأغنياء يؤدون الزكاة لمعالجة نفوسهم من أمراض الشح والجشع والبخل فهي فريضة لائحة.
تقسم الأموال إلى أمال ظاهرة وأموال باطنة:
قسم الفقهاء الأموال إلى أموال ظاهرة وأموال باطنة، وقالوا المال الظاهر هو المواشي وما أمبتت الأرض، والمال الذي يمر به التاجر على العشار، والمال الباطن هو الذهب والفضة وأموال التجارة في مواضعها (16) ،ورتبوا على هذا التقسيم إختلافهم في عموم ولاية ولي الأمر في أخذ الزكاة وصرفها.
بعضهم يرى أن الولاية عامة لا فرق بين ظاهر وباطن، وبعضهم يرى أن الولاية خاصة تكون ولاية الإمام على جمع الزكاة وصرفها خاصة بالأموال الظاهرة دون الأموال الباطنة.
هذا التقسيم الذي بني عليه الخلاف لم يثبت بدليل لا من الكتاب ولا من السنة، وإنما أخذوه من بعض مظاهر واقعية في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم وعهود الخلفاء الراشدين لأنهم تركوا أو فوضوا لأصحاب الأموال المسمى بالباطن أن يخرجوا زكاتهم ويصرفونها في مصارفها، وهذا لا يصير دليلا على هذا التقسيم لأن ولي الأمر له الحق في تفويض أصحاب الأموال الظاهرة أن رأي ذلك بحسب الحاجة والظروف.
لي ملاحظة في هذا المقام:
هذه الملاحظة لم أجد أحدا تطرق لها في كتب الفقه التي اطلعت عليها، والملاحظ محاولة للإجابة على سؤال يقول: لماذا اهتم الرسول صلى الله عليه وسلم بارسال السعاة إلى أصحاب الماشية في البادية ولم يفعل ذلك مع أهل الحضر والزروع.
إن تنفيذ أحكام الشريعة الإسلامية يعتمد على أمرين، إما وازع إيماني وإما وازع سلطاني، ومن الدافع نعلم أن الوازع الإيماني غالبا ما يكون أقوى في أهل الحضر والقرى منه في أهل البادية من الأعراب، وقد قال الله تعالى في الأعراب:"الأعراب أشد كفرا ونفاقا وأجدر ألا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله والله عليم حكيم"التوبة آية 97.
وروي عن الإمام مالك أنه قال: الأعرابي لا يؤم المسافرين ولا الحاضرين وإن كان اقرؤهم"وكذلك روي عن حميد بن عبد الرحمن أنه كره أن يؤم الأعرابي (17) ."
وسبب ضعف الإيمان عند أهل البادية: