الوازع الإيماني ضعيف عند أهل البادية وخاصة فيما يتعلق بإنفاق المال في غير عادة الكرم، لأن الأعرابي البدوي يتعامل مع مال فيه حياة وروح بخلاف أهل الحضر فإنهم يتعاملون في مال النقدين والمحاصيل وهذا جماد لا روح فيه، وارتباط الإنسان بالمال الذي فيه حياة أقوى من الذي ليس فيه حياة. ولذلك خص الله الأنعام بأوصاف السرور حيث قال لأهلها"والأنعام خلقها لكم في دفء ومنافع ومنها تأكلون، ولكم فيها جمال حين تربحون وحين تسرحون"النحل آية 5 - 6.
هذه الأوصاف تختلج مع مشاعر الإنسان ولا يعلمها إلا من عاش في البادية وتعامل مع هذه الأنعام.
ثم إن الأعرابي البدوي بعيد عن أماكن المواعظ اليومية والدروس العلمية وقد يكون مشغولا بماله عن تلاوة القرآن ومذاكرة العلم كل ذلك يسبب ضعف الوازع الإيماني فيه، ذلك الوازع الذي يكون باعثا له على أداء الزكاة كما أنه قد يكون مشغولا غالبا برعاية ماله بحثا عن الكلأ والماء.
ولذلك لابد من السعاة الذين يتابعونه ويأتون إليه لأخذ الزكاة منه. وهذا ما كان عليه الأعراب في صدر الإسلام، كان الوازع الإيماني فيهم ضعيف والدليل على ذلك أن بعضهم امتنع عن أداء الزكاة لمجرد أنه علم بوفاة الرسول صلى الله عليه وسلم، ومنهم من برر امتناعه بأنها كانت شخصية لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهو قد توفى.
الواقع عندما يؤكد هذه الملاحظة:
نحن نشأنا في إقليم كردفان بالسودان وهو إقليم يجمع بين بادية الإبل وبادية البقر والقرى والحضر، فالملاحظة أن القرى الذي يعتمدون على زراعة المحاصيل يهتمون اهتماما بالغا بإخراج الزكاة حتى من شدة المبالغة إنهم يزكون ما أخرجه الزرع ولو لم يبلغ المحصول مقدار النصاب الشرعي حتى ولو كان عشر صاع يخرجون العاشر ويسمونه حق الله ويسمونه أيضا الحرام لأن الله حرمه على صاحب المال.
ولا يدخل الواحد منهم الزكاة في بيته لأنه يخشى من أن يناولها أحد أفراد الأسرة خطأ، وملتزمون بهذا الأداء حتى أيام المستعمر البغيض، يؤدون هذه الزكاة في المحاصيل العشرين على حسب مذهب مالك.
أما أهل البادية من الإبل والبقر فإنهم تاركون للزكاة حتى ولو كان الواحد منهم يصلي ويصوم ويحج، وقد تجد الواحد منهم كريم ويصرف في الضيافة بسخاء لأنها عادة، ولكن عندما نطلب منه إخراج الزكاة تجده يتصعب نفسيا قبول إخراجها ويصعب عليه أن يخرج بهيمة حية من أنعامه ليعطيها للفقراء مع أنه حال الكرم قد يذبح بهيمة أكبر من بهيمة الزكاة ولا يشعر بالصعوبة النفسية لأن العرف غلاب.
ثم إن زكاة الماشية والزروع جمعها ورعايتها وحفظها مكلف فإذا تركت لأصحاب الماشية يتحملون ذلك مع شغلهم الشاغل بمواشيهم لزادهم ذلك كسلا وتهربا من الأمر وهو الزكاة.
وهذه الملاحظة اقترح على الأمانة العامة للهيئة الشرعية العالمية الزكاة أن تقوم بدراستها بواسطة المختصين في مجال علم النفس وعلاقة الإنسان بالمال الظاهر أو الأنعام لعلهم يخرجون بنتائج تساعد على توسيع مدارك الفهم في مثل هذه الأمور الفقهية.
مقارنة بين أهل الإبل وأهل بادية البقر، الملاحظ في أهل البقر أن قلوبهم أرق، وأنهم يحافظون على الصلاة والصيام أكثر من بادية الإبل، وأنهم لا يعرفون النفاق وإنما يقولون ما في نفوسهم بصراحة ولا يعرفون الغدر والمكر، أما أهل بادية الجمال فإن قلوبهم أشد غلظة، وأنهم يميلون إلى النفاق والمكر وعدم الصراحة بما في حقيقة نفوسهم. وفي ظني هذا يرجع إلى طبيعة الحيوان الذي يشربون منه اللبن الذي يعيشون عليه، لأن الثور عندما يريد الانتقام لنفسه لا يعرف الغدر وإنما يواجه، وأما الجمل عندما يريد الانتقام لنفسه لا يواجه وإنما