ولو نظرنا إلى الواقع التاريخي للأنظمة الاقتصادية القائمة لوجدنا أن النظام الرأسمالي في نشأته لازمته الأمراض الاجتماعية الخبيثة وهي البخل والشح والجشع وعدم المبالاة بحقوق الضعفاء والفقراء والأجراء وهذا الحرمان ترك آثارا سيئة في الوضع الاجتماعي لهؤلاء المحرومين.
وجاءت الفكرة الشيوعية كوليد شرعي لمساوئ النظام الرأسمالي واعتمدت على استثمار الأحقاد التي ترسبت في قلوب الفقراء والأجراء بسبب الحرمان لتجعل من هذه الأحقاد بركانا يتفجر على الأغنياء ويقضي عليهم لتقيم نظاما على أنقاض النظام الرأسمالي الذي يقوم على نظام الملكية الفردية والنظام الجديد يحرم الإنسان من حق التملك واعتقد الإنسان برفع الظلم عنه. هذا تفكير بشري منحط ومتخلف، لأنه اعتقد إن مجرد وجود الملكية في يد الفرد هي السبب في هذا الفساد الاجتماعي والظلم الواقع على الفقراء والأجراء، ولم يعقل أن الملكية ما هي إلا إدارة في يد الإنسان قد تكون وسيلة للشر وقد تكون وسيلة للخير، والإسلام عندما جاء إلى البشرية وجد نفس الصورة وجد أغنياء بخلاء مرابين يأكلون الربا أضعافا مضاعفة ووجد فقراء محرومين يدفنون أبناءهم أحياء من إملاق أو خشية الإملاق، وجد هذه الصورة القاتمة في حياة الإنسان ولكنه لم يسلك طريق تفكير البشري المنحط بالتحريض وإيقاد نار الحقد في قلوب المساكين المحرومين وإنما اعتمد على تغير مفاهيم الناس التي كانوا عليها في الجاهلية وبعد حين صير الأغنياء خدما للفقراء يتسابقون في الكسب لسد حاجات الفقراء كسبا لمرضاة الله وطمعا في ثواب الآخرة، وطهر النفوس والقلوب من الأحقاد والبخل وربطها برباط المحبة والمودة والرحمة، ولو نظرنا إلى الأمراض الستة المتقدمة ولو نظرنا في خصائص النظامين المتناقضين الرأسمالي والشيوعي لوجدنا أن النظام الرأسمالي يختص بثلاثة أمراض الشح والجشع والبخل. وأن النظام الشيوعي يختص بثلاثة أمراض أيضا وهي الحقد والغل والحسد، ومدخل الدعوة إلى الشيوعية هو إثارة الأحقاد في نفوس المدعوين من الفقراء والأجراء والعمال والزراع ولو بإثارة مظالم وهمية، وعند انفعالهم بمشار الظلم يتولى قيادتهم إلى التخريب والتدمير وهذه نتيجة ظاهرة في أساليب الدعاة إلى الشيوعية.
قد يقول قائل أن نظام لاضمان الاجتماعي في الدول الحديثة يغني عن الزكاة، هذا الكلام لا يقول به إلا جاهل بحقيقة الإسلام وحقيقة الواقع.
إذا نظرنا إلى مجتمع كالمجتمع الفرنسي مثلا نجد عنده ضمانات مادية في حياته حتى المولود لا يولد إلا ويقرر له راتب حتى يبلغ والأم المرضعة يقرر لها راتب إذا لم يكن لها زوج والشيخ المتقاعد قد يقرر له راتب الذي لا يعمل يقرر له راتب، وغير ذلك من الضمانات الاجتماعية في التعليم والعلاج، هذه الضمانات تراها في رأي العين جيدة وممتازة، ولكن عندما تنظر إلى المجتمع تجده مجتمع مفكك متقطع الوجدان العواطف الإنسانية والروابط الأخوية والروح الجماعية التي يتمتع بها المجتمع المسلم، فكل فرد فيهم تحسب أنه يقاوم ظروف الحياة بمفرده وكل بيت منفرد في سروره وفرحته لا جوار ولا حوار، والسبب في ذلك لأن الضمانات أقيمت على أسس مادية بحتة. بعكس فريضة الزكاة فهي عبادة مالية من الأفراد تعود إلى إخوانهم ويحسون بها الإحسان وهذا التكامل ماديا ومعنويا فيترك أثره في الوجدان والعاطفة الإنسانية وينتج عنه الترابط الأخوي في حياة الجماعة والأفراد.
خلاصة القول في حكمة مشروعية الزكاة:
هي أن الزكاة ركن الإسلام، ومقوم أساسي في بناء المجتمع وهي أخت الصلاة، فالصلاة تعطينا الفرد الصالح والزكاة تعطينا المجتمع الصالح وهي تطهر النفوس والقلوب من الأمراض الاجتماعية الخبيثة وتقي المجتمع