الفقرة كما قال الله تعالى""ونبلوكم بالشر والخير فتنة"فمن بسط له الرزق وشكر فقد فاز ومن كفر النعمة فقد خسر الدنيا والآخرة، ومن قبض عنه الرزق صبر فقد فاز، ومن كفر وتفجر فقد باء بالخسران المبين."
ت - إن رعاية حقوق المساكين من أهم حقوقات هذا الدين، والله سبحانه وتعالى خلق الإنسان من عنصرين أساسيين أحدهما مادي والثاني معنوي، والعنصر المادي له مطالب مادية ملحة ضرورية وحاجية وكمالية، وتلبية هذه المطالب تتطلب من الإنسان السعي لإشباع هذه المطالب، وبذلك أمره بالسعي للحصول على الرزق ولكن هذا السعي ما هو إلا سبب ظاهري قد يترتب عليه السبب بقدرة الله وقد لا يترتب عليه.
بعد هذه المقدمة.
نقول إن الزكاة دواء للوقاية وللعلاج تقي المجتمع وتعالجه من ستة أمراض خبيثة ثلاثة منها تصيب الأغنياء وثلاثة تصيب الفقراء وهي أمراض مدمرة لبناء المجتمع إذا وجدت ف كل مكان وزمان.
أمراض الأغنياء هي الشح والجشع والبخل ألفاظ تدل على معنى واحد وهو الحرص على عدم أداء حقوق المال، وإن كانت الألفاظ بها معاني فرعية دقيقة يختلف فيها لفظ عن لفظ.
وإذا مرض الأغنياء في المجتمع في أي زمان أو مكان بهذه الأمراض فتكون النتيجة اللازمة أن فقراء ذلك المجتمع سيصابون بأمراض مقابلة وهي الحقد والحسد والغل. وكلما زاد مرض الأغنياء زاد مرض الفقراء وبالتالي سيكون هذا المجتمع على أبوب التصدع والتفكك ثم الدمار كما يقرر القرآن الكريم ذلك في آيات كثيرة منها قوله تعالى:"وإنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيدكم إلى التهلكة"فالإنفاق هنا هو وقاية لصاحب المال من الهلاك، ومنها قوله تعالى"وكأين من قرية أهلكناها نوهي ظالمة فهي خاوية على عروشها وبئر معطلة وقصر مشيد"فهذه الآية تدل على أن سبب هلاك القرية هو الظلم، وتشير إلى أن سبب الظلم هو البئر المعطلة والقصر المشيد، لأن البئر هي كل الماء والماء يعتبر من أهم ضروريات الحياة، والقصر المشيد يدل على الترف وعدم المبالاة بحقوق المساكين الذين وصلوا إلى درجة فقدان ضروريات الحياة حتى الماء، وأهلكت القرية، ولم تعلم كيفية الهلاك ولكنه قد يكن بأعاصير من السماء أو ببراكين من الأرض أو بصدام بين المحرومين المظلومين وبين المترفين الظالمين، كما جاء ذلك في قوله تعالى:"قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم أو من تحت أرجلكم أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم باس بعض انظر كيف نصرف الآيات لعلهم يفقهون" (الأنعام آية: 65) .
ومنها قول تعالى:"هأنتم تدعون لتنفقوا في سبيل الله فمكنهم من يبخل ومن يبخل فإنما يبخل عن نفسه والله الغني وأنتم الفقراء وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم (سورة محمد: 38) ومن كثرة تكرار القرآن الكريم لذم البخل والبخلاء وكذلك أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم صار العامة يقولون: البخيل عدو الله وعدو الرسول ويقولون أيضا: البخيل عدو نفسه لأنه من شدة حرصه قد يوقع الهلاك بنفسه من حيث لا يشعر."
مما تقدم نعلم أن الله سبحانه وتعلى فرض الزكاة لحماية المجتمع من عوامل التصدع والتفكك والدمار، ولوقايته من الأمراض الخبيثة، ولتطهير الأغنياء من داء الشح الجشع والبخل، وتطهير قلوب الفقراء من داء الحقد والغل والحسد، ولتزكية المال وتنميته بالبركة، ولربط قلوب المسلمين أغنياء وفقراء بالمحبة والمودة والرحمة والإخاء حتى يصير المجتمع كالجسد الواحد، ولذلك أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم بقوله"خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها"فهي تطهر الأغنياء قبل الفقراء فالغني يطهر نفسه بالإعطاء ويطهر قلب أخيه الفقير بالعطاء.