إثبات الشرع بغير أدلته وقواعده بمجرد الهوى خلاف الإجماع، ولعلهم لا يعبأون بالإجماع، فإنه من جملة أصول الفقه، أو ما علموا أنه أول مراتب المجتهدين، فلو عدمه مجتهد لم يكن مجتهدًا قطعًا" [1] ."
2 -علم أصول الفقه وتطبيق قواعده ومفاهيمه المختلفة يحقق القضية التي لا خلاف عليها بين المسلمين، من أن الشريعة الإسلامية خاتمة الشرائع كلها مما يؤكد صلاحها للتطبيق في كل زمان ومكان إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. فما من قضية تعرض للمسلمين - خاصة النوازل والمستجدات - على المستوى الفردي أو الجماعي، إلا ويمكن تكييفها، وإعطاؤها الحكم الشرعي المستنبط من الأدلة بواسطة قواعد الأصول، وبذلك تتهاوى دعوى"سد باب الاجتهاد".
3 -هذا العلم من أكبر الوسائل لحفظ هذا الدين، والدفاع عن أدلته أمام الملحدين والمتشككين، فإن فارس هذا الميدان بحق هو الأصولي المتسلح بالمنهج العلمي المتمثل في الاستدلال لرأيه بالبراهين الدامغة التي لا تقبل التشكيك ونقد الرأي المخالف بالموضوعية المصطبغة بمقاصد الشريعة من العدل والإنصاف.
4 -حاجة علماء الفقه المقارن إلى هذه المادة من الأهمية بمكان، فإن المقارنة تحتاج إلى تقوية بعض الأدلة على البعض الآخر، حتى يعمل أو يفتي بالمذهب الراجح. ولا يتحقق ذلك إلا بالاحتكام إلى القواعد الأصولية، كمعرفة دلالة المنطوق والمفهوم، وحجية كل منهما، وحكم التعارض بينهما، وأيهما المقدم.
5 -هذا العلم يعين على فهم العلوم الأخرى، فالمفسر لا يستطيع أن يفسر آيات القرآن الكريم إلا في ضوء هذه القواعد، والرجوع إلى المفاهيم الأصولية، وكذلك الشارح لأحاديث الرسول -، وسائر العلوم الشرعية.
6 -هذا العلم يفيد المتوسطين من أهل العلم الذين لم يصلوا إلى درجة المجتهدين، ولم ينزلوا إلى درجة العوام، حيث يعملون أدوات الترجيح بين أقوال المجتهدين في مسائل الخلاف، كما يفيدهم الاطمئنان إلى أن الأحكام قد بنيت على منهج سليم في النظر والاستدلال.
7 -وفي العصر الحاضر حيث قذفت المدنية الحديثة بكثير من المستجدات، وتتابعت النوازل والمتغيرات، وعاشت الأمة ألوانًا من التحديات ما بين عولمة كاسحةٍ تهز الثوابت والأصول، وتخدش القيم والمثل والفضائل، وبين غلوٍ وإرهاب، وعنف وإرعاب، ينسف كثيرًا من مقاصد الشريعة، ويضيع حكمها وأسرارها، ودعوات تجديدية ترفع شعار التنوير والتطوير والإصلاح أحيانا، وهي شعارات برّاقة ظاهرها الرحمة وباطنها العذاب، فتعظم الحاجة إلى هذا العلم؛ ليضبط مسار الأمة، ويؤهل المجتهدين للحكم على هذه القضايا والمستجدات؛ لتسير الأمة على المنهج الوسطي المعتدل في بعدٍ عن مسالك الإفراط والتفريط.
(1) "نفائس الأصول في شرح المحصول"للقرافي (1/ 18) .