قال ابن إسحاق: وأما زيد بن الدثنة فابتاعه صفوان بن أمية ليقتله بأبيه أمية بن خلف، وبعث به صفوان بن أمية مع مولى له، يقال له نسطاس، إلى التنعيم، وأخرجوه من الحرم ليقتلوه. واجتمع رهط من قريش، منهم أبو سفيان بن حرب ؛ فقال له أبو سفيان حين قدم ليقتل: أَنشُدُك الله يا زيد، أتحب محمدًا عندنا الآن في مكانك نضرب عنقه، وأنك في أهلك ؟ قال: والله ما أحب أن محمدًا الآن في مكانه الذى هو فيه تصيبه شوكة تؤذيه، وأنى جالس في أهلى. قال: يقول أبو سفيان: ما رأيت من الناس أحدًا يحب أحدًا كحب أصحاب محمدٍ محمدًا ؛ ثم قتله نِسطاس، يرحمه الله تعالى [1] .
فإن قلت: لماذا لم يعهد هذا التعظيم والتوقير والتقدير لغير نبينا محمد صلى الله عليه وسلم من الملوك أو غيرهم ؟
قلت لك: إن تعظيم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم لمحمد صلى الله عليه وسلم ، إنما نشأ عن حب صادق استحقه المحبوب صلى الله عليه وسلم ، وأوجبه الله عليهم، إنه حب في الله تعالى ومن أجل الله، فهو باق ببقاء سببه، والله تعالى لا يزول ولا يتغير، أما تعظيم أصحاب الملوك لملوكهم، فنشأ عن خوف وطمع في دنياهم، تعظيم وحب مرتبط بالمصالح، وهذا حب مرتبط بسببه، فإذا زال السبب الحامل على التوقير والتعظيم، زال التوقير والتعظيم، وانقلب إلى عداوة ظاهرة، بعد أن كانت العداوة مستترة.
فإن قلت: كيف يفعل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الأفعال التى ذكرها عروة بن مسعود: من دلكهم لوجوههم وجلودهم بنخامته صلى الله عليه وسلم ، والاقتتال على الماء الذى توضأ به والإنسان يأنف من مثل هذه الأفعال ؟
(1) السيرة النبوية لابن هشام، باب ذكر يوم الرجيح في سنه ثلاث، 3/126.