قلت لك: إنه الحب الصادق، والإيمان الذى لا يخالطه شك، هو الذى يحمل صاحبه على مثل ذلك، بل يحمل صاحبه على التضحية بالنفس والولد والمال من أجل من يحبه، فإن كنت تعجب من ذلك ولا تصدق، فأقول لك: من ذاق عرف، ومن حرم انحرف، أو أقول لك جرب تجد - إن شاء الله تعالى -.
إن هذا الحب المنقطع النظير، هو الذى حمل أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم حملًا على حفظ أقواله، وأفعاله، وصفاته الخِلقية والخُلقية، وتقريراته، وحركاته وسكناته في النوم واليقظة، وما تركوا شيئًا قاله الرسول صلى الله عليه وسلم أو فعله، إلا حفظوه ونقلوه لمن بعدهم، بعد أن جعلوا له واقعًا عمليًا في حياتهم العامة والخاصة.
ثانيًا: مظاهر اهتمام الصحابة رضي الله عنهم بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم تحملًا وأداءً
سبق أن ذكرنا أسباب اهتمام الصحابة رضي الله عنهم بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وسنذكر هنا - بحول الله وقوته - بعض هذه المظاهر لترى مدى اهتمامهم، والجهد الذى بذلوه من أجل المحافظة على سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ينتفعوا بها، وحتى يبلغوها لمن بعدهم، فمن ذلك:
(1) التناوب في أخذ الحديث من رسول الله صلى الله عليه وسلم.
لقد كان الصحابة رضي الله عنهم في غاية الحرص على حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولأنهم ما استطاعوا ملازمته صلى الله عليه وسلم في كل أحواله وأوقاته - بل إن هذا أمر مستحيل - وذلك لأنهم شغلوا بأعمال أخرى لا تقل في الفضل عن ملازمته صلى الله عليه وسلم فلقد خرجوا مجاهدين في سبيل الله تعالى، وأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم من يعلم الناس الإسلام، ويقرىء الناس القرآن بل وشغلوا بمعاشهم وتحصيل حاجتهم الضرورية فعملوا بالزراعة والتجارة وغير ذلك.