الصفحة 5 من 8

أن يسمى"بالأرضية المشتركة"بين الأديان. ولا يقصد بالأرضية المشتركة، كما يظن البعض التطابق التام في أمور العقائد خاصة ... فبالرغم من الاختلافات الجوهرية بخصوص مكانة القرآن الكريم بين الكتب السماوية.

وبخصوص الفروق الكبرى بين مفهوم التوحيد وبين ما شاب ذلك من عقائد مخالفة كإلوهية المسيح عليه السلام أو بنوته لله تعالى، فإن القرآن الكريم يلفت نظرنا إلى وجود"أرضية مشتركة"حتى في مثل هذه الأمور العقدية المهمة:"ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا منهم وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له مسلمون"العنكبوت 29: 46.

فبالرغم مما طرأ على الكتب السماوية السابقة من ناحية المحتوى فإن قضية الوحي في ذاتها أمر يمكن للمسلمين وأهل الكتاب أن يتفقوا عليه. كما أن وصف القرآن الكريم لنفسه:"مصدقا لما بين يديه من الكتاب و مهيمنا عليه"المائدة 48:5 إنما يشير إلى أن أثارة من الوحي السماوي ما زالت باقية في الكتب المقدسة عند اليهود و النصارى، فالتصديق في هذا السياق لا يكون إلا لأمر موجود، و الهيمنة إنما توجد حين يكون ثمة خلط بين الوحي الخالص و ما داخله أو شابه من آراء الكاتبين و المؤرخين و تمّ إدخاله وضمه إلى الوحي الخالص في كتاب واحد.

ونفس الشيء يقال في قضية التوحيد:"وإلهنا وإلكم واحد"فهو تقرير بوحدانية الله تعالى رب كل شيء، ولكن لعل فيه إلماحة إلى أن أهل الكتاب لا يقولون بتعدد الآلهة فهم يقرون بوحدانية الله تعالى (بالرغم مما في عقيدة التثليث من مآخذ جوهرية) وضرورة الإيمان به والتوكل عليه وطاعته ومحبته.

وترجع أهمية هذه المسألة إلى ما رأيناه من عزوف بعض المسلمين عن الحوار مع أهل الكتاب (دع عنك أصحاب العقائد الأخرى) بحجة أنه ليس هناك ثمة أرضية مشتركة بين التوحيد والتثليث بل إن فريقا منهم ليدّعون أن"أهل الكتاب"اليوم ليسوا في حقيقة الأمر من أهل الكتاب لأن منهم من يؤمن ببنوة المسيح لله تعالى. وقد لا يدرك هؤلاء أن مثل هذه العقائد سبقت مولد رسول الهدى بنحو قرنين ونصف قرن وكان في عهده - صلى الله عليه وسلم - من اعتنق هذه العقائد ومع ذلك فقد خاطبهم القرآن الكريم بوصفهم"أهل كتاب". وتعامل معهم بهذه الصفة من تلقّى القرآن من لدن حكيم حميد.

ولاشك أن هناك بعض السلبيات في الحوار مع أهل الكتاب وخاصة أن كان المحاورون غير مؤهلين لذلك ولكن الخبرة العملية في أمريكا الشمالية (وأحسب ذلك في غيرها كذلك) تشير إلى منافع عديدة لهذا الحوار إن أُحسن القيام به فهو.

تعريف بالإسلام وإتاحة الفرصة للمسلمين وغير المسلمين على السواء أن يقارنوا بين المفاهيم الإسلامية في نقائها وصفائها وبين معتقدات ومفاهيم الآخرين في جو من الموضوعية والاحترام.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت