الصفحة 3 من 8

ولم يُتح لهؤلاء المسلمين الفرصة للاندماج الإيجابي في المجتمع بسبب حرمانهم من حريتهم وسوء معاملتهم، ولم يتح لهم الفرصة كذلك للانعزال عن المجتمع كما هو الحال مع بعض المهاجرين، وربما تكالبت عليهم بعض عوامل الذوبان من حيث فقدان هويتهم وعوامل التفاعل المفروضة عليهم كرقيق، وعوامل العزلة بسبب التفرقة العنصرية التي استمرت بعد إلغاء الرق بل وحتى بعد صدور قوانين الحقوق المدنية في الولايات المتحدة في منتصف الستينات من القرن الماضي ولكن ذراري المسلمين الأفارقة قد نشأوا أكثر اندماجا من أسلافهم وكذا ذراري المهاجرين، فكلا الفريقين ولد في هذه البلاد وتربىّ في مدارسها وتكلم بألسنتها ولم يعرفوا وطنا يحلمون"بالعودة"إليه كما كان الحال مع أسلافهم. وبانتشار الإسلام بين الأجناس الأخرى في أمريكا الشمالية انضم إلى صفوف المسلمين من كانوا ولازالوا مندمجين في المجتمع، وقد أدى ذلك في تقديرنا إلى إثراء الجالية الإسلامية بخبرات هامة دعمت التوجه المتزايد نحو الاندماج في المجتمع. ونخلص من ذلك أن الانعزال صورة من صور الغلو كذلك وإن كان من دوافعها الحفاظ على الهوية الإسلامية والثقافية للذراري. فالإسلام لا يدعو إلى الانعزال بل يدعو إلى التواصل والتفاعل والتعارف:"يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا ...."الحجرات 49: 13،"ومن آياته خلق السموات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم ..."الروم 22:30

وفي التواصل والتفاعل الإيجابي فرصة لإبلاغ دعوة الله والشهادة على الناس وتبادل المنافع المتبادلة المشروعة. وربما يسهم الانعزال في النظر بعين الريبة والشك إلى المسلمين، الأمر الذي يتزايد طرديا مع أحداث العنف التي تجري في أماكن عديدة من العالم والتي يؤثر بعضها تأثيرا سيئا على سمعة الإسلام والمسلمين وتكرس التفكير النمطي السلبي عن الإسلام والذي تحمل لواءه جهات معادية للإسلام وأهله بسبب التعصب الديني أو الاعتبارات السياسية المحلية والعالمية. كما الانعزال قد يؤدي إلى شعور عامة الناس (و إن كانوا خاطئين) بأن المسلمين قوم يأخذون و لا يعطون و يستفيدون و لا يُفيدون بالمقارنة بالجهود الكبيرة والبرامج العديدة التي تقوم بها جمعيات أخرى دينية ومدنية للعناية بالقضايا الاجتماعية والأعمال الخيرية.

الاندماج: لعل ما قيل عن صورتي الغلو، الذوبان والعزلة، يُسهم في تعريف الاندماج، والاندماج في مفهومنا هو التفاعل الإيجابي الحضاري مع المجتمع دون فقدان للهوية الإسلامية أو التنازل عن ثوابت الإسلام وقيمه أو المساومة عليها. أما فيما عدا الثوابت فقد يقتضي الأمر أحيانا غض النظر عن بعض سلبيات الاندماج استرشادًا بقواعد جلب المنفعة ودفع المضرة واعتبار شيوع البلوى واعتبار الذرائع والنظر في المآلات وأُطُر فقه الموازنات وفقه الأولويات و فقه الأقليات، مادام ذلك منضبط بالقواعد الأصولية تجنبا للغلو أو المغالاة والإفراط أو التفريط. وهذا ما عنيناه في بداية البحث أن الاندماج يعكس وسطية الإسلام ويشكل تطبيقا واقعيا لها. ومن الجدير بالذكر أن هناك قدر من الغبش في استخدام مصطلحات الذوبان

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت