يعامل من قبل غير المسلمين بشئ من الازدراء وإن ابتسمت في وجهه الثغور ونطقت بثنائه الألسنة، فإن غير المسلم حين يرى مسلما يحتسي الخمر قد لا يكِنّ له الاحترام الحقيقي لأنه يرى في هذا المسلم اهتزازا في العقيدة وانحرافا في السلوك من منطلق الإسلام الذي يدعي الانتساب إليه. وقد رأينا كذلك المسلم الذي يشتري رضا الله بغضب الناس فيرضى الله عنه ويُرضِي عنه الناس وإن خالفوا عقيدته، بل إن فريقا منهم ليغبط المسلم على ذلك ويحترم تمسكه بمبادئه وقد يترجم هذا الاحترام بمراعاة مشاعره في التعامل معه. نخلص من ذلك أن الذوبان صورة من صور الغلو الذي يتنافى مع وسطية الإٍسلام.
الانعزال: إن الانعزال عن المجتمع الذي يعيش فيه المسلم هو صورة أخرى من صور الغلو الذي قد لا يقتصر على الانعزال الشعوري بل يتعداه إلى الانعزال المعيشي إلا فيما اقتضته ضرورات الحياة. وقد يتخذ هذا الانعزال صورة جماعية حيث تكوٍّن بعض الأُسر دائرة ضيقة لمن تجمعهم أصول عرقية أو لغوية تتفاعل وتتعايش في شبه عزلة عن المجتمع الذي يحيط بهم.
وقد يكون من دواعي هذه العزلة الشعور بالارتياح للتعايش مع من هم من بني جلدتهم ويتكلمون بألسنتهم. وقد يكون من دواعيها كذلك التخوف من الآثار السلبية للتفاعل مع المجتمع على أطفالهم وأسرهم.
وقد لاحظنا سببا مهما لعدم الاندماج في المجتمع من جانب من بقي من الجيل الأول للمهاجرين يمكن تسميته"بعقلية أحلام العودة"فقد جاء بعضهم إلى أمريكا الشمالية بنية العودة إلى بلادهم بعد قضاء مآربهم التعليمية أو المالية وبمضي الزمن ولأسباب متباينة استقروا في هذه البلاد وحصلوا على الإقامة الدائمة ثم الجنسية الأمريكية أو الكندية وأنجبوا الذراري، ومع هذا فقد ظلوا يفكرون ويتصرفون وكأنهم في حالة إقامة مؤقتة وان امتدت عقودا طويلة من الزمن، فلا هم عادوا إلى البلاد جاءوا منها ولا هم تفاعلوا وتواصلوا مع مجتمعاتهم تواصلا إيجابيا وفعالا وكأنهم يعيشون على هامش المجتمع لا كجزء منه.
ولكن هذه الدواعي والمؤثرات التي أسهمت في العزلة كانت أكثر انطباقا على من هاجر طواعية واختيارا. ولم يكن هذا الانطباق كاملا، فإن فريقا منهم قد سلك طريق الذوبان حتى لم يعد هو وذراريه يعرف من الإسلام إلا اسمه ومن المصحف إلا رسمه. أما المسلمون الأفارقة فقد أحضروا قسرا إلى أمريكا الشمالية (وغيرها) كمُسترقّّين قد سُلبوا هويتهم وسموا بأسماء غير أسمائهم الأصلية بل وربما سلبوا دينهم وتراثهم إلا قليلا ممن أنجى الله منهم ممن كانوا يتحينون الفرص لأداء الصلاة على حين غفلة من أعين الآخرين.