الصفحة 21 من 81

وأضرب لك مثلا بسيطا يدل على أن النص بالإمامة واجب عقلا كما هو واجب شرعا: هب أن سائقا لحافلة كبيرة تضم العديد من الناس، وسائق هذه الحافلة المسئول عنها سار بها من أول الطريق وتعب في قيادتها غاية التعب حتى خرج بها من الصحراء إلى الطريق الآمن، وهناك أراد أن يترك هذه الحافلة، فهل يحسن به أن يترك تلك الحافلة دون أن ينتقي لها أفضل قائد يراه قادرا على قيادتها على أحسن وجه إلى بر الأمان، وهل يعقل أن هذا السائق يترك حافلته هكذا دون أن يحدد لها سائقا ماهرا بديلا؟ إنه لا ينبغي له ذلك.

ومن هناك نعلم أن الإمامة قضية أصولية لا يجوز للرسل إغفالها ولا تركها للعامة يتهارجون حولها فيرى كل واحد منهم رأيا، ويسلك كل واحد منهم طريقا.

ولذلك فليس في الدين أمر أهم من الإمامة التي بها حفظ الدين ورفع الخلاف واستقرار الأمة

العبدلله:

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه وبعد:

إن المرء ليتعجب أننا في هذا الزمان الذي يتشدق فيه العالم كله شرقه وغربه، ويتفاخرون بالحريات السياسية والاجتماعية والفكرية التي وصلوا إليها، والتي تقوم على أصول أهمها"حق الأمة في اختيار من ينوب عنها في الحكم والقيادة". وفي الوقت نفسه نجد البعض منا يستدلون بالعقل على وجوب التنصيص، وأي وجه للعقل في الاستدلال على هذا الأمر، والعقل السليم (1) يحكم بضده!!.

(1) الشرع كذلك يحكم بضده كما سيظهر بعد ذلك، ولكننا التزمنا هنا بنقض استدلاله بالعقل على وجوب التنصيص بالإمامة

إن الأمة الإسلامية ليست قطيعا من الخراف، يجب أن يفرض عليهم راع بعينه يسوقهم سوقا، بل إن الله تعالى قد كرم هذه الأمة وجعلها خير الأمم لنفسها وللناس جميعا، وكرم أهلها المؤمنين المخلصين وجعل أمرهم شورى بينهم، وهذا هو الاحترام التام لملكة العقل التي وهبها الله تعالى للإنسان السوي الذي يعرف حق الله تعالى ويعرف حق دينه ويعرف مصلحة أمته.

والله عز وجل عندما وصف المسلمين وصفهم بقوله: (وأمرهم شورى بينهم) ، بل وبالغ في تكريمهم حتى أمر النبي المعصوم المؤيد بالوحي أن يشاورهم فقال تعالى: (وشاورهم في الأمر) .

والنبي ص أحرص الخلق على احترام حق الأمة الذي وهبة الله تعالى لها في اختيار من تراه أنسب لأن ينوب عنها في إقامة الدين وسياسة الدنيا به، ومن تراه أرفق بها وأقدر على أن يقودها إلى بر الأمان.

ولذلك وجدنا النبي ص يترك الأمة هكذا دون أن يحدد لها إماما بعينه، لأنه يثق في قدرتها على اختيار أفضلها ولأن ذلك هو حقها الذي أعطاه الله تعالى لها، ولكن بعد أن حدد لأصحابة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت