مواصفات من يصلح للإمامة وألمح ص أنها في أبي بكر - رضي الله عنه - لكن بدون وصية.
والنبي ص لم يكن يوما من الأيام ملكا يصدر الأوامر ويفرض عليهم القيود ويلغي حقوقهم وملكاتهم وحرياتهم السياسية والفكرية والاجتماعية، بل كان أحرص الخلق على تكريمهم وتقديرهم، حتى كان أكثرهم مشاورة لأصحابة، وحتى وصفه الله تعالى بقوله: (لقد جاء رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم) .
والناظر إلى خلق النبي ص وهديه يجد أنه في الأمور التي تخص الأمة كلها كان لا يصدر - غالبا - إلا عن وحي من الله تعالى، أو عن مشورة للمسلمين، وحيث لا وحي فإن هدي النبي هو مشاورة الصحابة والنظر إلى مصلحة الأمة العامة، وأمر الخلافة لم يكن هناك فيه نص قرآني صريح ولا وحي من الله يوجب التنصيص على إمام بعينه، ولذلك آثر النبي الرؤوف الرحيم أن يحترم عقل الأمة وحقها، وترك لها الأمر دون أن يتدخل الملوك والأمراء بل كان هديه هو هدي النبي الرسول الرؤوف الرحيم بأمته والمقدر لحرياتها وسيادتها.
ثم قضية ثانية:
المثال الذي ذكره المحاضر من أمر السائق والحافلة فيه مغالطة ينبغي أن ننبه إليها، ألا وهي أن النبي لم يترك أمته كما يترك الراعي غنمه التي لا تفقه شيئا ولا تدرك شيئا فينبغي أن يبحث لهم عن راع غيره، بل النبي ص ترك أمته وهي خير الأمم، علما وفقها وخلقا، وتركها وهو يعلم أن فيها عشرات، بل مئات من القادة من القادة الأفذاذ المؤهلين لقيادتها إلى بر الأمان، وتركها وهو يثق في قدرتها على اختيار أفضل من يمثلها ومن ينوب عنها في تطبيق شرع الله وإقامة دينه وسياسة الدنيا به.
وهذا ما حدث فعلا إذ اجتمعت الأمة بعده على خيرها الصديق أبي بكر - رضي الله عنه -، حيث قاد الأمة بر الأمان ووقف وقفه مع المرتدين ما كان يقف لمثلها إلا رجل كأبي بكر - رضي الله عنه -، ولولاه لما علم غير الله تعالى ما تكون آثارها على الإسلام وأهله.
ثم قضية ثالثة:
لقد كان بوسع النبي ص أن ينص نصا صريحا على أبي بكر، وما كان سيجد من الأمة جمعاء إلا السمع والطاعة، ولكن بعد أبي بكر وإلى قيام الساعة من سيقوم بالأمر؟ ومن سيقوم بتحديد الإمام؟
إن الأمر بهذا التنصيص لهو دعوة إلى تحويل خلافة الإسلام إلى ولاية جبرية، تغصب فيه الأمة حقوقها بصبغة دينية تشبه الضلال الذي وصل إليه النصارى في قرونهم المظلمة الظالمة.
ولكن النبي ص - وبتوفيق من الله تعالى والله أعلم حيث بجعل رسالته - ترك حقوق الأمة دون أن يمسها ودون أن يخدشها وجعل الشورى هي الأصل في اختيار من ينوب عن الأمة في إقامة دينها وسياسة الدنيا به، وهكذا يقرر دين الإسلام بهدى الله تعالى وهدي رسوله ص منذ فجر الإسلام هذه الحقوق السياسية والفكرية والاجتماعية، التي لم تصل إليها أمم الغرب إلا بعد بحور من الدماء والظلم والظلام، وهم اليوم يتشدقون بهذه الحريات، ولو رجعوا إلى