-الموت ... إن لم يبق لنا إلا سبيل الشهادة ، والموت الكريم ، فهو خير من تقديم رؤوسنا لنذبح كالنعاج !
-تريد أن تزج بالأمة إلى دركات الجحيم يا موسى ؟! - وهل كانت الحياة الكريمة يوما ما شيئا غير الجحيم ؟!
فتدخّل كبير الوزراء حين أحس بتدهور الوضع:
-الموضوع انتهى يا بن أبي غسان ، والجلسة ختمت ، وأنت تعارض برأيك الشاذ أهالي غرناطة أجمعين ! - فلنسأل الناس دون تخويف لنرى من الذي يعارضهم ! - لا .. لا .. هؤلاء الذين أمامك يمثلون أهالي غرناطة ، وهؤلاء العلماء أخذنا بفتواهم ، فهل تريد أن تعارض الشرع أيضا ؟!
فالتفت موسى إلى العلماء وحدجهم بنظرة ملتهبة ، فزاغت أبصارهم وارتبكوا ، فمنهم من علّق ناظريه في السقف ومنهم من طأطأ ..
وانتصب موسى قائما ، وأخذ يقلّب ناظريه في الحاضرين الذين تاهت أنظارهم .. كان بعينيه اللامعتين يستجديهم: أليس فيكم رجل شريف ؟!
ثم التفت إلى الملك بأسى وقال:
-فستذكرون ما أقول لكم .. ألا لا نامت أعين الجبناء .. والله لو لم يبق في غرناطة إلاي .. لأقاتلنهم حتى تنفرد سالفتي !
وانطلق مخلفا الجميع وراء ظهره ، متجهًا إلى خارج القصر ، والألم يعتصر فؤاده الكليم ، والمرارة تجتاح حلقه ، وكأن الدنيا ستتهاوى على بعضها بعد قليل ...
خرج موسى من قصر الملك يلفه الغمّ لفّا ، والليل سواده يشي بالحزن ، حتى بعض الأصوات المنبعثة من هنا وهناك من الحشرات أو حفيف الأشجار أو غير ذلك ... كانت الأصوات كأنها تأوّهات من ألم خفيّ ؛ فصاح موسى بمولاه مختار ، الذي ما إن رأى سيده خارجا حتى أخذ يهيئ له رَكوبه:
-يا مختار . - نعم يا سيدي . - أريدك الآن تذهب وتدعوا لي من تبقى من قادتي ، انظر إن وجدت: أبالهيجاء ، أو القعقاع ، أو سليمان ، أو صلاح ، أو النعمان ، إن وجدت أحدا منهم فاطلب منه الحضور فورا إلى قصري . - حسنا سيدي .