وانطلق مختار ماشيا بهمة ونشاط ، وما إن ابتعد قليلا حتى واراه الظلام ، واختفى في أحشاء الليل ..
ركب موسى دابته وسار بها متجها نحو قصره ، عبر طرق غرناطة وسككها التي يعرفها جيدا ؛ كان يسير سير المحزونين ، ساهيا واجما ، يحدّق في اللاشيء ، وكأنه يتأمل في لوحة فنية لا مرئية ، ويوجه دابته بحركة عفوية نحو قصره ..
كانت تدور في مخيلته تلك الوجوه التي اجتمع معها قبل قليل ؛ وجه الملك ، ووجه كبير الوزراء ، ووجوه بعض العلماء والتجار ، يتفرسها وجها وجها ، كلما مر عليه وجه نُخسَ قلبه نخسة ألم مشوبة بندم ..
وبينما هو يسير والحزن يغمره .. فجأةً انتبه .. وأخذ يتطلع يمنة ويسرة .. وكأن شيئا خفيا استوقفه ..
أخذ يتلفت ، وإذا عن يمينه نهر"شنيل"يمشي ببطء ثقيل ، وقد أحال الليل لونه الأزرق السماوي إلى أسود قاتم ، والضباب ممتد كلحاف وثير يلفّع المدينة ..
وعلى الضفة الأخرى من النهر .. ومن بين كتل الضباب ، رأى منارة شامخة ، فاستبان .. فإذا هي منارة مسجد"التقوى"القديم ، من أوائل المساجد التي بنيت على أرض الأندلس ، كانت باسقة شامخة .. وكأن الظلام والضباب خافا أن يخفياها عن عينيّ موسى ، فرآها وتفرسها جيدا ، كانت تكاد تبتسم له وتباركه ، فغمره شعور بالطمأنينة جعله يحث سيره ، عجِلًا إلى موعود الله ...
وبالفعل بدأ يحث خطى دابته ويسرع سيرها ، فأحس بالأشياء تبتسم له .. الأشجار والمنازل والقناطر والطرقات والأزقة ... كلها تخلع عنها ملكوت الليل وتكاد تضيء وتفرح له وتحنو عليه وتمسح رأسه رضا بما يصنع ..
فتمتم بصوت خفيض:
أبت لي شيمتي وأبى بلائي ** وأخذي القول بالثمن الربيحِ
وإقدامي على المكروه نفسي ** وضربي هامة البطل المشيحِ
وقَولي كلما جشأت وجاشت ** مكانك تحمدي أو تستريحي
لأدفع عن مآثر صالحاتٍ ** وأدفع بعض عن عرض صحيحِ
وحثّ السير حتى وصل قصره ..