وبعد مشاورات ومداولات مع أعيان غرناطة ووجهائها ، فقد ارتأى جلالة الملك المعظم _أدام الله عزه_ أن تسلّم غرناطة إلى فرناندو بعد العهود والمواثيق الغليظة أن لا يسفك فيها دم مسلم ، ولا يستباح عرضه أو ماله.
ولله الحكم من قبل ومن بعد ، والحمد لله أولا وآخرا ودائما ، والصلاة والسلام على رسوله ومصطفاه .
ولا غالب إلا الله .
ثم شرع عبدالملك بطيّ الرقعة ، فخرج صوت من الجهة اليمنى للجلسة:
-من أجل هذا سجنتم رجالي يا جلالة الملك ؟
هنا اضطرب الملك:
-نعم .. لا .. لا .. المقصود هو تسليم غرناطة بنجاح و .. و ..
بدأ الملك يتصبب عرقا ، فأكمل عنه كبير الوزراء:
-إن هذا هو اتفاق أهل غرناطة جميعا ، ولا نريد أن يؤثر بضعة أشخاص على مصير مجتمع كامل ..
فلملم الملك نفسه واقتحم:
-إن فرناندو قد وعدني وعدا قاطعا بألا يمس أحدا من المسلمين بمكروه ، وإن جندك سيفرج عنهم حين تستتب الأمور وتهدأ ..
فقاطعه موسى بصوت محبوس بالغيظ:
-بأي حق تبيعون غرناطة .. آخر ما تبقى لنا ؟! - الكل هنا راضون .. وهذا خير لأهل غرناطة .. انظر .. ثم إن .. آ ..
قاطع كبير الوزراء الملك التلجلج:
-نحن لم نبع شيئا ! أرجوا أن تحترم ألفاظك يا بن أبي غسان !
فأحس الملك بشيء من الراحة:
-نعم نحن لم نبع شيئا . - بلى بعتم أراضي الإسلام ، وأملاك المسلمين ، من عهد موسى وطارق وحتى اليوم ، وهذه الأرض تُروى بالتضحيات ، ولكم سكبت فيها الدماء والدموع ، وفداها أجدادنا بأرواحهم وأموالهم وأعراضهم .. وها أنتم اليوم تبيعونها بأبخس الأثمان ! أنسيتم مافعل فرناندو بالمدن القريبة حولنا ؟! لم يرع فيها عهدا ولا وعدا ، واستباح الدماء والأعراض والأموال ، وأجبر الناس على التنصّر ، فإذا جاء يومكم .. لن يرقب فيكم إلاًّ ولا ذمة ! - ماذا تريدنا أن نفعل يا بن أبي غسان ؟!
رد الملك مغضبا .