أما هؤلاء المجاهدون فقد باتوا ليلتهم حيارى متسائلين ، خصوصا بعد سماعهم بعض الشائعات عن تسليم غرناطة ، فكانوا يحسون بأن الأيام تخبّئ لهم مفاجأة ما .. ؟
وأشرقت شمس اليوم التالي مرتخية كسولة ، كأنها تريد الإحجام ؛ ومرت لحظات ذلك اليوم ثقيلة على النفوس ، وأحس الناس بشيء من العداء للطقس الثقيل الجاثم على صدورهم ..
وفجأة .. ودون سابق إنذار .. بدأت وحدات من الحرس الملكي بقيادة رئيس الشرطة"بن كماشة"بنفسه باعتقالات واسعة النطاق في نواحي غرناطة .
كانت الاعتقالات لكبار المجاهدين في الجيش الغرناطي ، وقد تمت الاعتقالات بشكل مرتبك ومثير للدهشة ! حتى إن الحي الواحد كان يمتلئ بالحرس والعسكر لاعتقال مجاهد واحد فقط !
وكان هؤلاء العسكر قلقين نزقين ، فربما ضربوا الشخص من المارة لمجرد أنه نظر إليهم ! كانوا يحسون بالنظرات تفترسهم وتشعل في أجوافهم حريقا داخليا لا يُحتمل البتة !
حتى الاعتراضات التي كنّ يطلقنها زوجات المجاهدين أو أمهاتهم أو حتى نداءات أبنائهم كانت تواجه بالصرخات الغاضبة والانفعالات المتشنجة ، وربما بعض المواقف القاسية من ضرب ونحوه .. لأنها كانت بالنسبة لهم جحيما في الأحشاء لا يطاق !
وبهذه الطريقة .. وبعد جهدٍ ولأي .. استطاع بن كماشة أن يؤدي مهمته بنجاح !
وصلت أنباء الاعتقالات إلى قصر قائد الجيش الغرناطي الوزير موسى بن أبي غسان ، ذلك المقاتل البارع ، والقائد الباسل ، الذي طالما أرهق الجيش القشتالي ، وأشعل الجبهات من فوقهم ومن تحت أرجلهم ..
كان بن أبي غسان متوسط الطول ، عريض المنكبين ، أسمر السحنة ، كأنه جاء للتو من جزيرة العرب ، يخفي خلف ملامح وجهه الوادع إعصارًا مدمّرًا وشجاعة نادرة ، وهو ذو بزّة ومظهر حسن متأنق .
ما إن وصلته أنباء الاعتقالات عن طريق حاجبه المخلص"مختار"حتى تمعّر وجهه واجتاحته سَورة غضب ، فضرب الجدار بقبضة حديدية:
-ألا لعنة الله على هذا الأحمق ..