واعتلت وجهه الكروي ابتسامة صغيرة ، وبدت عليه ملامح الرضا ، بعد أن تذكر استطاعة القشتاليين كسب شريحة كبيرة من أعيان غرناطة .. وغشيته الراحة أكثر بعدما جاءه خبر وصول كميات كبيرة من الذهب إليه _كما وعده بذلك فرناندو_ ..
فنادى بصوت مرتاح:
-أيها الحاجب . - لبيك يا مولاي . - ادع لي كبير الوزراء . - أمرك يا مولاي .
وبعد فترة وجيزة حضر رجل فاخر الملبس ، مهيب الطلعة ، زاده هيبة طوله ولونه الأقرب للسمرة ، إنه كبير الوزراء عبد الملك .
-كيف الأوضاع في غرناطة يا عبدالملك ؟ - لم يستجد شيء يا مولاي .. إلا خطتنا لسجن كبار المقاتلين غدا ، كي لا يثيروا المشاكل مع فرناندو . - جيد .. هذا أمر جيد .. - لكن قلبي يا جلالة الملك يقول لي أن الأمور لن تتم كما نريد .. - لا تخف يا عبدالملك .. لا تخف .. نحن الآن في نهاية اللعبة ، وينبغي أن نواصل حتى النهاية .. أتعلم يا عبدالملك ..
والتفت الصغير إلى إحدى نوافذ القصر ، وأخذ يتأمل في الأفق .. ثم أكمل:
-أظن أننا لو أقمنا اجتماعًا لوجهاء غرناطة ، نخرج فيه أمام الناس بهذه الاتفاقية ، نكون قد أضفينا شرعية كبيرة على عملنا .. لذلك فأرجوا أن ترتب لهذا الاجتماع ليلة الغد ، ونتناول موضوع التسليم وننسقه ، كي نريح ونستريح ! - أمرك يا جلالة الملك .
مرت تلك الليلة قبل ليلة التسليم كشر ليلة مرت على إنسان ..
الملك والوزراء وأعوانهم باتوا ليلتهم بأعين مفتوحة وقلوب تتراقص خوفًا .. وربما نام بعضهم فأفزعه من نومه كابوس مرعب !
وأما الأهالي فالليل يكاد يخنقهم ، والبرد يبري عظامهم ، وقلة المال والزاد انعكست على أجسادهم الناحلة وأنفسهم المنفعلة .. وأما المجاهدون الذين كانوا يدافعون عن غرناطة في الأشهر الماضية ، وأبلوا في القتال أيّما بلاء ، خصوصًا تلك الهجمات الليلية المباغتة بقيادة الوزير موسى بن أبي غسان الشجاع الباسل ..