أبو عبدالله الصغير ، ذلك الرجل المتوسط الطول ، البيضاوي الجسم ، ذو السحنة البيضاء واللحية القصيرة ، كان هذا الملك يجتاحه هم ثقيل لم يمر عليه في حياته من قبل .. كان يحس أنه يواجه أحداثا تاريخية كبيرة ، ويساوره شعور داخلي بأنه سيدخل"ملعنة التاريخ"من أوسع أبوابها ؛ وكلما تحرك ضميره وبدأ يثير الأسئلة ، حاول أن يشغل نفسه بالأمور الواقعية _كما كان يقول_ بدلًا من العيش في الأوهام والأحلام التي لا تورث إلا الهم والحزن ..
ثم إنه مجرد ملك ليس إلا ، ملك على أمة طويلة عريضة هي أمة الإسلام ، ولو نصره المسلمون أو كانوا أقوياء لما فعل ما فعل .. فهو ليس سوى فرد مهزوم من هذه الأمة المهزومة ، وهؤلاء المسلمين الذين خلف البحر في إفريقيا لم ينصروه فعليهم المسؤولية أيضا !
هكذا كان يقول في داخله ، ويهز رأسه بشيء من القناعة ، ثم يعاوده هم الخور والانهزام ، فيقوم ويذرع غرفته الفسيحة جيئة وذهابا ..
كانت غرفته الخاصة مليئة بالنقوش الذهبية ، وقد كسيت جدرانها بأفخر أنواع الحرير المختلفة الألوان ، وقد علقت في إحدى جوانبها لوحة كبيرة رسمها له فنان كبير من أكبر فناني الأندلس ، وكان ضوء النهار المنبعث للغرفة باهتا باردا ..
حين قام من أريكته ومشى قليلا ، التفت وإذا بخياله جالس على الأريكة يحدجه بنظرات ساخرة ، فارتعب واخذ يطوّح بصولجانه في الهواء وكأنه يقاتل شخصا خفيا ، حتى إذا انجلت له الرؤية وغاب هذا الخيال المزعج ، جلس متعبا على إحدى الأرائك واستكمل التفكير ..
كيف سيقنع بعض المتهورين الأغرار ، الذين قد يعيقون عملية التسليم ؟ فهم لا يعرفون مصلحة بلادهم ، ولا يستطيعون النظر أبعد من أرنبة أنوفهم !
لا شك أنها مهمة صعبة ..