-سأذهب لأدافع عنك وعن مستقبلك يا طفلتي العزيزة ، وأحمي الآلاف من أطفال المسلمين أمثالك ، اللذين ربما أصبحوا أصدقائك في الكبر .. وأذبّ عن آبائهم وأمهاتهم .. فلا تحزني يا عزيزتي .. فوالله لست قاسي القلب ولا وحشيّ الطباع .. فهيا شجعيني بابتسامة وداع تعظّم شجاعتي وتربط جأشي ..
هكذا كان موسى يحدث نفسه ، وسلمى لا تزال غاضبة تريد استكمال اللعب ؛ فأعادها موسى إلى فراشها وقد فارقته ضحكته وحل محلها ابتسامة لا تكاد تبين .. فما إن وضعها حتى بدأت تبكي بشدة احتجاجا على هذه النهاية ، وكانت تبالغ في بكائها كخدعة طفولية مكشوفة استدرارا لعاطفة أبيها الذي لا يزال واقفا .
-اهدئي يا شقيتي الصغيرة .. فإني لم أدعك إلا ليستمر هناؤك ومرحك ..
قال ذلك ، ثم أسدل على أذنيه وقرًا نفسيا ليقطع وصول صوتها ، ثم قبّل جبهتها قبلة طويلة جعلها تسكت وتهدأ ، ثم استدبرها ومضى إلى غرفته مخلفا ورائه بكائها ..
وما إن خرج حتى واجه سمية ، فأسرعت تمسح دموعها ، وقالت محاولة إخفاء مشاعرها:
-لأمتك جاهزة يا حبيبي .. - أشكرك كثيرا .
وانطلق إلى الغرفة وتوشح المغفر والأدرع والسيف والرمح ، واستكمل سلاحه ، ثم تطلع إلى سمية بعين حانية:
-لا تنسين يا حبيبتي .. قبل الفجر .. إلى المغرب !
فانهارت باكية .. وتملّكها حزن الفراق الأخير .. وألم الإحساس بالنهاية .. فسقطت ولم تتمالك نفسها ..
فقبّل بين عينيها واحتضنها وهدأ من روعها:
-حبيبتي .. لا تنسين أن بيننا لقاء ليس ببعيد .. في الجنة إن شاء الله ..
فبدأت تلملم روحها المتشظية .. وتتكاتم بكائها وحزنها .. وهي تعلم جيدا أن زوجها لا يوقفه عن هدفه جميع عواطف الأرض .. فقالت بصوت متهدج:
-حفظك الله ورعاك .. وأسأل الله أن يجمعنا في الدنيا وفي الآخرة ..
وانطلق موسى متجاسرا يزيح عن روحه ثقل الألم ، وينفض عن فؤاده مرارة الحزن ، وما إن نزل حتى استقبله مولاه مختار: