هذه الاعتقادات كلها، وجدت من المفسرين المسلمين من يتولى مناقشتها، والرد عليها، وإبطالها، مستعملين في ذلك أدلة مختلفة، تنوعت بين النقلية والعقلية والمنطقية والفلسفية غايتها نقض ما يعتقد به النصارى اعتقادا راسخا لا يسهل تحرير العقل منه. وبين دعوة إلى التبصر والنظر في فطرة الإنسان وما ترنو إليه نفسه من توحيد فطري خالص خالٍ من الأباطيل والأوهام.
وغاية هذا البحث هي دراسة آراء المفسرين المسلمين في مسألة عقيدة التثليث عند النصارى، ولذلك وقع الاختيار على ثلاثة مفسرين؛ هم الرازي وابن عاشور وسيد قطب، إذ يمثلون ثلاثة مناهج تكاد تكون مختلفة -كما سنرى- في التفسير، وفي مناقشة عقيدة النصارى، حيث يستند كل واحد منهم في ذلك إلى بنيته الفكرية، والإطار الثقافي الذي ينتمي إليه، والمنهجية التي ينتهجها، والمجال التاريخي الذي عاشه بكل ملابساته وعوامله المختلفة.
ولعل البحث حين يسعى إلى استكناه هذه الآراء، وكيفية تعاملها مع قضية واحدة، من خلال مناهج مختلفة، فإن ذلك يؤدي إلى نتائج على مستوى تقييم التجربة الفكرية الإسلامية في مجال منهجية الرد على النصارى وأصحاب الاعتقادات الباطلة، وكيفية تطورها وارتباطها بالتطور التاريخي، وفي نفس الوقت نتعرف على كيفية تغير الفهوم وتطورها فيما يتعلق بفهم النصوص القرآنية ارتباطا بإحداثيات الزمان والمكان، أي ارتباطا وتأكيدا على مدى صلة فهم النص القرآني بما يكتسبه الإنسان من خبرة علمية ومعرفية ومنهجية.
وهذا أيضا يؤدي بنا إلى بناء منهج علمي منفتح على الخبرة البشرية، ومرتكز على الوحي، ويهدف إلى تأكيد مركزية الحقيقة القرآنية، ونقض غيرها من الأباطيل في حق الله تعالى، مثلما هو في عقيدة التثليث عند النصارى.
(1) (1) أعمال الرسل، إصحاح عدد19-20.
(2) التفسير، ج8/ ص35.