2-ومن مظاهر اليسر ورفع الحرج تشريع الرخص: فالمسلم مطالب بالقيام بما وجب عليه القيام به غير أنه ربما يمر بظروف استثنائية كمرض أو سفر أو ما شابه ذلك تخفيفًا عنه شرعت في حقه الرخص والتي ربما يكون الأخذ بها واجبًا إذا تعينت سبيلًا لحفظ النفس، بل إن مَن لم يأخذ بها وألقى بنفسه إلى التهلكة فهلك فهو عاصٍ ويدخل في عموم قوله عز وجل وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا، أي لا تأخذ بالعزيمة في موطن الأخذ بها يؤدي إلى قتل النفس بل لابد من الأخذ بالرخصة حفاظًا على النفس، ولذا ختم الله هذه الآية (إن الله كان بكم رحيمًا) أي رحيمًا بتشريعه للرخص في حقكم رفعًا للحرج والمشقة عنهم.
وللدلالة على رسوخ مبدأ التيسير ورفع الحرج اهتم العلماء باستقرار أسباب التخفيف في شرعنا الحنيف وهي سبعة أسباب:
السفر- المرض- الإكراه- الجهل- النسيان- العسر وعموم البلوى- النقص.
وبعد ما سبق إيراده علينا أن نتنبه إلى نقطة إلى أنه لا يعني يسر التشريع وسماحة الدين أن يركن الإنسان ويهمل التكاليف الشرعية ويجعل من التيسير مدخلًا للهروب مما كلف به الإنسان، وفي نفس الوقت ألا يكون هناك ما ينافي هذا المبدأ وهو المغالاة والتشديد، فالغلو أمر نهى عنه الإسلام بل إن الله نهى عنه الأمم السالفة فقال: يا أهل الكتاب لا تغلو في دينكم ونحن مخاطبون بذلك الخطاب الإلهي بأن نتجنب الأسباب المؤدية إلى الغلو والتشدد والتطرف والبعد عن مبدأ التيسير ورفع الحرج، فالغلو إتباع للهوى ومخالف لشرعنا الحنيف، ولذا حينما أراد أحد الصحابة أن يشدد على المسلمين بأن يسأل الرسول - صلى الله عليه وسلم - عن الحج في كل عام، فسكت الرسول - صلى الله عليه وسلم - ولم يجب، حتى قال: (لو قلت نعم لوجبت ذروني ما تركتكم إنما أهلك مَن كان قبلكم كثرة اختلافهم على أنبيائهم فما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم وما نهيتكم منه فانتهوا) .