إلاّ أنّ الحنفية فرّقوا بينهما فجعلوا العته نوعًا مختلفًا؛ فهو عندهم من كان قليل الفهم، مختلط الكلام، فاسد التدبير، إلا أنه لا يضرب ولا يشتم كما يفعل المجنون [1] .
إلاّ أنه على هذا الاعتبار أيضًا فإنّ المعتوه تثبت عليه الولاية؛ إذ أن الحنفية يلحقونه بالصبي المميّز [2] .
ثالثًا المملوك ...
المملوك تثبت عليه الولاية باتفاق [3] ؛ وذلك لعجزه ونقصان رتبته حكمًا؛ قال تعالى: {ضرب الله مثلًا عبدًا مملوكًا لا يقدر على شيء} [النحل: 75] .
رابعًا السَّفِيْه ...
يقال سَفِه فلان سَفَاهةً فهو سَفِيه [4] .
والسَّفَه نقص في العقل، وهو ضد الحلم [5] .
وفي الاصطلاح: خفّةٌ تبعث على العمل في المال بخلاف مقتضى العقل والشرع [6] .
وقد اختلف الفقهاء في السَّفيه هل يحجر عليه - مما يترتب عليه إقامة ولي عليه - على قولين:
القول الأول: لا يحجر على الحر البالغ. وإن كان سفيهًا. وإنّما يوقف تسليم المال إليه حتى يبلغ خمسًا وعشرين سنة، فإذا بلغها سلم إليه ماله. وإن كان مبذرًا.
وبه قال أبو حنيفة [7] .
القول الثاني: يحجر على السّفيه مطلقًا. وبه قاله أبو يوسف ومحمد بن الحسن [8] ، وهو مذهب المالكية [9] والشافعية [10] والحنابلة [11] .
الأدلة:
استدل أصحاب القول الأول بعدّة أدلة منها ما يلي:
1 -عمومات الأدلة في البيع والهبة والإقرار من نحو قوله تعالى: {وأحل الله البيع} [القرة: 282] . فقد شرع الله هذه التصرفات شرعًا عامًا والحجر على السفيه يناقض هذه الأدلة [12] .
يمكن أن يناقش: بأن عمومات النصوص خص منها المجنون والصغير بالاتفاق، فليكن السفيه مخصوصًا كذلك بالأدلة الدالة على الحجر عليه.
2 -عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رجلًا ذكر للنبي أنه يخدع في البيع فقال إذا بايعت فقل: لا خلابة [13] .
وعن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رجلًا كان يبايع وكان في عقدته [14] ضعف، فدعاه النبي صلى الله عليه وسلم فنهاه عن البيع، فقال يا رسول الله إنّي لا أصبر عن
(1) حاشية ابن عابدين (6/ 144) .
(2) المبسوط (25/ 21) ؛ الكفاية شرح الهداية (8/ 187) .
(3) العناية شرح الهداية (8/ 186) ؛ قوانين الأحكام الشرعية لابن جزي ص (350) ؛ مغني المحتاج (2/ 165) ؛ معونة أولي النهى (4/ 567) .
(4) المصباح المنير ص (106) (سفه) .
(5) معجم مقاييس اللغة (3/ 79) ، (سفه) ؛ القاموس المحيط (1609) (سفه) .
(6) التعريفات للجرجاني ص (125) ؛ القاموس الفقهي ص (174) .
(7) الهداية (8/ 191) ؛ بدائع الصنائع (6/ 172) .
(8) الهداية (8/ 191) ؛ بدائع الصنائع (6/ 172) .
(9) المدونة (5/ 220) ؛ التاج والإكليل (5/ 85) .
(10) روضة الطالبين (3/ 465) ؛ مغني المحتاج (2/ 170) .
(11) المغني لابن قدامة (6/ 609) ؛ كشاف القناع (3/ 452) .
(12) بدائع الصنائع (6/ 174) .
(13) صحيح البخاري كتاب البيوع، باب ما يكره من الخداع في البيع رقم (2117) ، فتح الباري (4/ 395) ، صحيح مسلم كتاب البيوع باب من يخدع في البيع رقم (1533) (3/ 1165) .
(14) أي في رأيه ونظره في مصالح نفسه. لسان العرب (3/ 299) (عقد) .