نجدهم اتفقوا أولًا على أن فاعل ذلك آثم للنهي الوارد في الحديث الشريف الذي ذكرناه وغيره بنفس المعنى [1] وسواء كان النهي الوارد على سبيل التحريم كما يراه جمهور الفقهاء أم الكراهة كما يراه بعضهم لما في ذلك من الإضرار بالآدمي المعصوم شأن ذلك النهي عن أكل ماله ودمه الخ [2] ولكن عقد النكاح الذي وقع تعددت الأقوال بخصوصه:
الجمهور: على أنه عقد صحيح ولا يفرق بين الزوجين إذا وقع العقد سليمًا مستكملًا أركانه وشروطه؛ لأن النهي عن الخطبة المحرمة ليس مرجعها إلى نفس العقد بل إلى أمر آخر خارج عن حقيقته، ونظير ذلك من اغتصب ماء فتوضأ به فإن صلاته تقع صحيحة متى كانت مستكملة أركانها وشروطها بالرغم من أن الماء مغصوب.
ويرى البعض -منهم داود-: إن هذا الزواج باطل ويجب فسخه سواء دخل بها أم لا؛ لأن النهي منصب على النكاح فيكون باطلًا كنكاح الشغار وليست الخطبة إلا وسيلة له.
وتعددت الأقوال عند المالكية أحدهما كالجمهور والثاني كداود، والرأي الثالث وجوب الفسخ قبل الدخول لا بعده؛ لأنه بالدخول قد تأكد العقد فلا يسوغ الفسخ ويبقى الإثم في عتق الزوج [3] .
وإذا كان يشترط في الخطبة أن تكون المرأة المخطوبة صالحة للعقد عليها فكذلك الوعد في غير الخطبة ينبغي أن يكون محله مشروعًا.
جاء في أحكام القرآن لابن العربي ج1 ص215: (إذا حرم الوعد في العدة بالنكاح؛ لأنه لا يجوز كان ذلك دليلًا على تحريم الوعد في التقابض في الصرف في وقت لا يجوز إلى وقت يجوز فيه التقابض) ، ويشترط بالإضافة إلى مشروعية المحل ما يشترط في محل العقد بصفة عامة من شروط بأن يكون الموعود به ممكنًا مقدورًا على تسليمه معلومًا الخ، مع مراعاة ما يتفق مع طبيعة الوعد، فالوعد بعقد البيع يشترط فيه أن يكون المبيع يصلح للتعامل فيه فلا يصح الوعد ببيع خمر أو خنزير بالنسبة للمسلم؛ لأن ذلك غير متقوم في حقه، ولا يصح الوعد ببيع حفنة من تراب؛ لأنه لا ينتفع بذلك عادة [4] .
ومن الأركان الخاصة بالوعد بالتعاقد في القانون ما بينته الفقرة الثانية من المادة (101 مدني فقرة 2) : وإذا اشترط القانون لتمام العقد استيفاء شكل معين فهذا الشكل تجب مراعاته أيضًا في الاتفاق الذي يتضمن الوعد بإبرام هذا العقد [5] فهل لهذا الركن من أهمية في الفقه الإسلامي؟ الواضح أن اشتراط الرسمية في القانون هو لتنبيه العاقد إلى خطورة ما هو مقدم عليه، فلا يكفي في الهبة مثلًا الصيغة بل لابد من أن يتم ذلك أمام
(1) انظر سبل السلام ج3 ص820- بداية المجتهد ج2 ص3.
(2) المغني ج6 ص607.
(3) انظر مواهب الجليل ج3 ص410 وما بعدها، بداية المجتهد، مغني المحتاج ج3 ص136، المغني ج6 ص607، سبل السلام ج3 ص981، أحكام القرآن لابن العربي ج1 ص215، الأحوال الشخصية الشيخ أبو زهرة ص35.
(4) انظر بدائع الصنائع ج5 ص138 وما بعدها، المغني ج4 ص246 وما بعدها، والروض المربع ج2 ص27 - انظر في بيان هذا الركن: الملكية ونظرية العقد، الشيخ أبو زهرة ص294 وما بعدها، المدخل د/ حسن حامد ص278 وما بعدها وفي القانون انظر المراجع السابقة، مصادر الالتزام د/ إسماعيل غانم ص 14.
(5) انظر مصادر الالتزام د/ إسماعيل غانم ص143، الوجيز د/ محمود جمال الدين زكي ص53 الملكية أبو زهرة ص822، وما بعدها المعاملات الشرعية، أحمد إبراهيم ص96.