الموظف المختص، والأصل في الفقه الإسلامي أن يتم العقد بمجرد التعبير عن الإرادة؛ لأن ذلك يدل على رضا العاقد بالعقد، ومن ثم يرتب الشارع الحكيم الأثر على ذلك، بيد أنه بصدد عقد الزواج وجدنا أن الفقهاء اتفقوا على أن الإشهاد على عقد النكاح مطلوب، وإن كان الخلاف بينهم حول مدى هذا الطلب هل على سبيل الوجوب أو الندب، وهل هو شرط لصحة العقد أم شرطًا لتمامه أو لا يلزم عند العقد لكن يلزم قبل الدخول - وهل يكفي عن الشهادة الإعلان كالضرب بالدب والوليمة ونحو ذلك [1] ، ويبدو أن السر في ذلك هو اهتمام الشارع الحكيم بالعلاقة بين الرجل والمرأة وأنه يجب أن تصان تلك العلاقة عن كل ما يدنسها وأنه يجب أن يفرق بين علاقة النكاح وعلاقة الأخدان [2] ، فعلاقة النكاح هي التي تنبت النسل وبه تتكون الأسرة المسلمة التي تكون لبنة طيبة في المجتمع الإسلامي، كذا احتاط الشارع الحكيم لجو هذه الأسرة فحفظها من نحو جحود الزوج لها، ولا شك أن الإشهاد والإعلان ونحوه يحقق الضمانات الكافية لإقامة الأسرة المسلمة في جو من الطهر والعفاف ما يجعلها تنهض قوية في صرح الأمة الإسلامية، ومن هنا يظهر أن تقبل فكرة الشكلية في الفقه الإسلامي تعد أمرًا مقبولًا طالما كان القصد منه التأكد من رغبة العاقد ورضاه بما هو مقدم عليه، وليس أدل على ذلك في نظرنا من طلب الإشهاد على عقد الزواج؛ إذ هو لخطورته احتاط له الشارع ما لم يحتط لغيره من العقود على النحو الذي أشرنا إليه [3] فلا يكفي لقيام الزوج أن تتحقق الصيغة -الإيجاب والقبول- بل يجب الإشهاد عند البعض، ويندب ذلك عند الآخر، ولقد وجدنا في القانون أنه إذا اشترطت الشكلية في عقد فإنه يلزم تحقق ذلك في الوعد بهذا العقد، فهل يمكن القول بوجود ذلك في الفقه الإسلامي؟ قلنا: إن الروح العامة للشريعة الإسلامية لا تمانع في تقبل فكرة الشكلية؛ إذ القصد منها التأكد من رغبة العاقد في العقد وكل ذلك لإظهار الرضا بالعقد وهو أساس التعاقد، إلا أن تعميم تلك القاعدة في الفقه الإسلامي لا يمكن التسليم به في نظرنا - وليس أدل على ذلك من أن الخطبة وهي تطبيق عملي للوعد بالتعاقد في الفقه الإسلامي لم يقل أحد من الفقهاء بمراعاة الشهود فيها، بل إن من الفقهاء من ذكر أن الخطبة تكون سرًا حتى لا يترتب على العدول عنها إيذاء للمخطوبة.
جاء في مواهب الجليل ج5 ص408: (ويستحب كتمان الأمر إلى العقد) [4] .
وإذا كان القانون يهدف من مراعاة الشكلية في الوعد بالتعاقد - إذا كان العقد الموعود بإبرامه يشترط له الشكلية كالرهن الرسمي (م 1031/ 1) - هو الخوف من أن يتخذ الوعد حيلة للهروب من الشكلية؛ إذ الوعد إذا قام صحيحًا وكان ملزما لجانب واحد، فبمجرد أن يبدي الطرف الآخر رغبته ينعقد العقد، وإذا كان ملزمًا للجانبين فإنه بحلول الميعاد المتفق عليه ينعقد العقد، فإن مسلك القانون هو ما يتفق مع كون الوعد ملزمًا،
(1) انظر ذلك مواهب الجليل ج3 ص407، المغني ج6 ص531، الهداية ج1 ص191، بدائع الصنائع ج2 ص252، مغني المحتاج ج3 ص144، د/ يوسف عبد المقصود، بحوث فقهية في النكاح ص55 عن عامر بن عبد لله بن الزبير عن أبيه -رضي الله عنهم- أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- قال: «أعلنوا النكاح» سبل السلام ج3 ص986، وعن أبي بردة عن أبي موسى عن أبيه -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم- «لا نكاح إلا بولي» وروى الإمام أحمد عن الحسن عن عمران بن الحصين مرفوعًا «لا نكاح إلا بولي وشاهدين» سبل السلام ج3 ص987.
(2) يقول تعالى: (وَلاَ مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ) من الآية 25 من سورة النساء، أي ولا متخذات أخلاء يزنون بهن سرًا، فالخدن والخدين هو الصديق، انظر تفسير الجلالين ص68، مختار الصحاح للرازي ص171.
(3) الملكية أبو زهرة ص228، وما بعدها، المعاملات الشرعية، أحمد إبراهيم ص96.
(4) وانظر حاشية الدسوقي ج 2 ص216.