5)اتضح من الكلام على ركن الصيغة أن الوعد أمر يتعلق بالمستقبل، ولذلك فإن الاستثناء مطلوب بأنه يقرن الواعد وعده بالمشيئة كأن يقول: «سأعطيك كذا إن شاء الله أو أعدك ببيع كذا إن شاء الله الخ» . يقول الله تعالى: (وَلاَ تَقْولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا24.إِلاَّ أَن يَشَاءَ اللهُ) [1] .
إذ لا يدري الواعد هل يقع منه الوفاء أم لا، فلا يصح الطلاق في مثل تلك الأمور [2] .
6)يترتب على أن الوعد أمر مستقبل أيضًا: أن ينوي الواعد الوفاء ولا يكفي أن يعبر عن إرادته فقط بصيغة الوعد وفي نيته ألا يفي؛ لأن ذلك هو المحظور الذي نهى الله عنه؛ إذ هو النفاق الذي نبه عليه حديث الرسول -صلى الله عليه وسلم- وأرشدنا إلى عدم الاتصاف بتلك الصفات، ولقد ذكرنا سابقًا وهو: «آية المنافق ثلاث إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف ... » .
ويلزم في القانون أيضًا: إن تتوافر الصيغة ويشترط فيها ما يشترط في صيغة العقد إلا أن وجه الخلاف بين القانون والفقه الإسلامي هو أن الوعد عقد ومن ثم كانت الأحكام بخصوص الصيغة شبه متطابقة عدا ما يتعلق بطبيعة الوعد كأن تدل الصيغة على الاستقبال [3] .
ولكن في الفقه الإسلامي نرى أن الصيغة يبحث فيها على أنها من جانب الواعد فقط؛ إذ الوعد من الأعمال التي تتم من جانب واحد فقط، كذلك يختص الوعد في الفقه الإسلامي بأحكام خاصة كالاقتران بالمشيئة، ونية الوفاء بالالتزام.
ثانيًا- الواعد:
والركن الثاني هو الواعد (وهذا على القول بأن أركان العقد ثلاثة عند جمهور الفقه الإسلامي، أما عند الأحناف فركن الوعد هو الإيجاب الصادر من الواعد، أما ما عدا ذلك فهو من شروط انعقاده التي يتوقف وجود الوعد عليها وليست أجزاء منه حتى تعد أركانًا) ويشترط في هذا الركن ما يشترط في ركن العاقد في نظرية العقد في الفقه الإسلامي ومن ذلك أن يكون له أهلية [4] إبرام الوعد إذا كان يعد باسمه، أما إذا كان يعد باسم غيره فينبغي أن تكون له ولاية [5] إبرامه، سواء كانت تلك الولاية مصدرها الشارع كولاية الأب على ابنه، أو الإنفاق كولاية الوكيل في إبرام العقد لحساب موكله أو القضاء كولاية وصى القاضي، فإذا لم تكن له أهلية إبرام الوعد فإنه يعد فضوليًا وحكم تصرفه موقوف عند جمهور الفقه الإسلامي [6] .
(1) سورة الكهف آية رقم 22، 23.
(2) انظر أحكام القرآن للجصاص ج3 ص442، فتح العلي المالك ج1 ص258، المحلى ج8 ص29.
(3) انظر نظرية العقد د/ عبد الفتاح عبد الباقي ص183. الوسيط د/ السنهوري ج1 ص251، الوجيز في الالتزام د/ محمود جمال الدين ص53.
(4) الأهلية هي: صلاحية الشخص لوجوب الحقوق المشروعة له أو عليه ولصدور الأفعال على وجه يعتد به شرعًا، وهي تنقسم إلى أهلية وجوب وإلى أهلية أداء، والأولى يراد بها: صلاحية الإنسان لوجوب الحقوق المشروعة له أو عليه، والثانية يراد بها: صلاحية الإنسان لصدور الفعل منه على وجه يعتد به شرعًا، انظر شرح التلويح على التوضيح لمتن التنقيح ج2 ص161، 162، تيسير التحرير على كتاب التحرير لمحمد أمين ج2 ص249. التعريفات ص33.
(5) الولاية هي: سلطة شرعية تجعل لمن تثبت له القدرة على إنشاء التصرفات وتنفيذها، انظر رسالتنا للدكتوراه: النيابة عن الغير ص79.
(6) السابق ص 417 وما بعدها، وانظر في بيان هذا الركن، الملكية ونظرية العقد، الشيخ أبو زهرة ص302 وما بعدها المدخل أ د/ حسين حامد ص319 وما بعدها.