من أن الصيغة جاءت بلفظ مضارع «أبيع» وهو يحتمل الحال والاستقبال، إلا أن لفظ الآن دلّ على إرادة إنشاء العقد في الحال.
كذلك قد يستعمل المضارع في بعض الجهات لإرادة إنشاء العقد في الحال، وفي تلك الصورة تكون بصدد صيغة عقد لا صيغة وعد، يوضح ذلك النص التالي:
جاء في رد المحتار ج4 ص510: (وهما -الإيجاب والقبول- عبارة عن كل لفظين ينبئان عن معنى التملك والتمليك كبعت واشتريت أو حالين مضارعين لم يقرنا بسوف والسين كأبيعك فيقول: أشتريه، أو أحدهما ماض والآخر حال، ولكن لا يحتاج الأول إلى نية بخلاف الثاني فإنه يحتاج إليها، وإن كان حقيقة للمحال عند نافي الأصح فإن نوى به الإيجاب للحال صح على الأصح وإلا لا صادق بما إذا نوى الاستقبال أو لم ينو شيئًا - إلا إذا استعملوه للحال كأهل خوارزم - أي ولا يستعملونه للوعد والاستقبال فكالماضي لا يحتاج إلى نية وكأبيعك الآن لتمحضه للحال) .
وعلى ذلك فإذا تمحضت صيغة المضارع للاستقبال، فإن ذلك يدل على إرادة الوعد لا إنشاء عقد، كأن يقول شخص لآخر: «سأعطيك كذا أو أنا أضمن ما عليك أو أؤدي ما عليك» ، أما إذا فهم من الحال أن المراد التزام خرج الأمر عن الوعد إلى الالتزام [1] .
4)قد تتداخل صيغة العقد والوعد أيضًا في صورة اقتران كل منهما بالشرط [2] كأن يقول شخص لآخر: «سأعطيك كذا إن فعلت كذا أو إن حضر فلان الخ» فكيف نقرن بين صيغة العقد وصيغة الوعد.
والإجابة على ذلك أيضًا هي أنه إذا فهم من سياق الكلام وقرائن الأحوال أن المراد الالتزام كنا بصدد عقد، إذا فهم أن المراد وعد كنا بصدد وعد وبالتالي، فلا يقتصر النظر على الصيغة فقط بل المدار على ما ذكرنا.
جاء في فتح العلي المالك ج1 ص257: (الفرق بين ما يدل على الالتزام وما يدل على العدة: فالمرجع فيه إلى ما يفهم من سياق الكلام وقرائن الأحوال بحيث يدل الكلام على الالتزام، ولهذا قال الشيخ في مختصره في باب الخلع: ولزم البينونة: إن قال إن أعطيتني ألفًا رقتك أو أفارقك إن فهم الالتزام أو الوعد إن ورطها فالشرط في قوله إن ورطها راجع إلى الوعد، قال في التوضيح: كما لو باعت قماشًا أو كسرت حليها [3] .
(1) انظر: رد المحتار ج4 ص503 وما بعدها، مواهب الجليل ج4 ص233، فتح العلي المالك ج1 ص257، مغني المحتاج ج2 ص503، المغني ج3 ص561، الروض المربع ج2 ص23 - 24،180.
(2) والشرط في اللغة له إطلاقات متعدة منها العلامة، ومنها لزوم الشيء والتزامه كما في البيع، يقال شرط فلان في البيع على فلان، كذا يشرط (بضم الراء أو كسرها) أي التزمه ذلك الشراء (لسان العرب ج1 ص202 - 206) واصطلاحًا: ما يتوقف عليه وجود الشيء ويكون خارجًا عن ماهيته ولا يكون مؤثرًا في وجوده (التعريفات للجرجاني ص110 - 111) ، وذلك كالطهارة بالنسبة للصلاة فهي ليست جزءًا من حقيقة الصلاة وإذا لم توجد لا توجد الصلاة فلا يلزم من وجودها وجود الصلاة (الموافقات ج1 ص262) ويعرف أيضًا بأنه: أمر مستقبل غير محقق الوقوع كأن يقول شخص لآخر: أعطيك ألف جنيه إن حضر محمد فحضور محمد أمر مستقبل غير محقق الوجود. فقد يوجد ولا يوجد، وهو أيضًا خارج عن الماهية (المشروط) ، انظر: الفروق ج1 ص61 وما بعدها، الأشباه والنظائر للسيوطي ص404 وانظر في اقتران العقد بالشرط: نظرية العقد للشيخ محمود شوكت ص137، الملكية ونظرية العقد، الشيخ أبو زهرة ص272، مصادر الحق د/ السنهوري ج3 ص101.
(3) انظر البحر الرائق ج 6 ص94، الفتاوى الكبرى لابن حجر ج2، ص273، المغني ج 6 ص347.