فهرس الكتاب

الصفحة 22 من 33

النفاق وهو منهي عنه، وأنه -صلى الله عليه وسلم- لم يجعل الوعد قسيم الكذب من حيث هو كذب وإنما جعله قسيم الخبر عن غير المستقبل الذي هو كذب فكان قسيمه من جهة كونه مستقبلًا والكذب غير مستقبل [1] .

2)واستدلوا أيضًا بما رواه أبو داود عن أبي هريرة أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «إذا وعد الرجل أخاه ومن نيته أن يفي فلم يف ولم يجيء للميعاد فلا إثم عليه» [2] .

وجه الدلالة: يدل هذا الحديث على أن من وعد وهو ينوي الوفاء ثم لم يف لعذر منعه فلا إثم عليه، ومفهومه أن من وعد وهو ينوي عدم الوفاء فإنه يكون آثما، سواء وفى بعد ذلك أم لا؛ لأن ذلك من صفات المنافقين «إذا حدث كذب» ولم يتعرض الحديث لمن وعد وهو ينوي الوفاء ولم يف بغير عذر فهو أمر مسكوت عنه ولا يصح القول بأنه خلف [3] .

وورد على هذا الحديث بأن إسناده ليس بالقوي [4] .

واستدل أصحاب الرأي الثالث: الذين قالوا: بأنه يجب الوفاء بالوعد إذا كان مقرونًا بالسبب مطلقًا.

استدل هؤلاء بأدلة القائلين بالوجوب مطلقًا بالإضافة إلى أنهم رأوا أن مجيء الوعد على هذه الصورة دليل على تأكيد العزم على الوفاء، وبالتالي فإن للموعود له أن يطالب الواعد بما وعده ويجبره على أدائه فكان أصحاب هذا الرأي يرون أن أدلة أصحاب الرأي القائل بالوجوب لا تفيد بذاتها الوجوب، ولكن اقتران الوعد بسبب هو الذي يرفعه من دائرة المستحب إلى دائرة الواجب للعلة السابقة [5] .

ونوقش ذلك بالإضافة إلى المناقشات التي وردت على أدلة من قال بوجوب الوفاء: بأن التفرقة بخصوص الوعد بين وعد اقترن ووعد مجرد عن السبب لا معنى له [6] .

واستدل أصحاب الرأي الرابع: الذين قالوا: بأنه يجب الوفاء بالوعد إذا اقترن بسبب ودخل الموعود له في السبب.

استدلوا بما ذكرناه لأصحاب الرأي الثالث بالإضافة إلى أنهم رأوا أن ذكر الوعد مقترنًا بالسبب والبدء في تنفيذه من الموعود له أظهر في بيان عزم الواعد على الوفاء وعدم الوفاء في تلك الحالة ربما يضر الموعود له؛ إذ

(1) إدرار الشروق على أنواء الفروق ج4 ص22، والوعد إذا أخلف قول لم يفعل، ولذا اختلف الفقهاء فيه هل يكون كذبًا أم لا؟ بعض الفقهاء يرى أن الكذب يختص بالماضي والحاضر والوعد إنما يتعلق بالمستقبل فلا يدخله الكذب، وبعضهم يرى أن الوعد يدخله الكذب وإنما سومح فيه تكثيرًا للعدة بالمعروف وعلى هذا فلا فرق بين الوعد والكذب، انظر في ذلك (الفروق، وإدرار الشروق على أنواء الفروق ج4 ص22 - 24) ومن المتفق عليه أن وعد الشرائع ووعيدها لا يوصفان بالكذب وإنما وعد الله يتصف بالحق والصدق، والآيات في ذلك كثيرة منها قوله تعالى: (وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأمْرُ إِنَّ اللهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ) الآية سورة إبراهيم آية رقم 22، وقوله تعالى: (الْحَمْدُ للهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ) سورة الزمر 74، ووجه الدلالة أن تلك النصوص وغيرها تدل على أن وعد الله حق وصدق ولا يتصف بالكذب (الفروق ج4 ص24) .

(2) عون المعبود ج13 ص339، سنن أبي داود ج2 ص313، المحلى ج8 ص29.

(3) عون المعبود ج13 ص339 - 343.

(4) عون المعبود ج13 ص339.

(5) انظر الفروق ج4 ص20، 21.

(6) المحلى ج8 ص29.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت