قد قام بالفعل في تنفيذ الشيء الموعود به و «لا ضرر ولا ضرار» [1] كما في الحديث الشريف، ويرى البعض [2] تبريرًا لأصحاب هذا الرأي أن إلزام الواعد بوعده فيما يبدو لم يكن بسبب الوعد فحسب وإنما بسبب خطأ الواعد خطا تقصيريًا أدى إلى إضرار بالموعود له، وهذا مما يستوجب الضمان - التعويض - وخير ضمان أن يلزم الواعد بالوفاء بوعده.
وورد على استدلال أصحاب هذا الرأي: بالإضافة على ما جاء على استدلال أصحاب الرأي الثالث بأنه لا نص يقتضي بإلزام الواعد بالوفاء، ولأن الموعود له وهو الذي غر نفسه [3] ، وهذا القول هو الذي يتفق مع طبيعة الوعد في نظرنا، والواعد محسن و (مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ) [4] .
والخلاصة:
أننا رأينا اتفاق الفقهاء على أن الوفاء بالوعد مطلوب وإن كان الخلاف في مدى هذا الطلب هل هو واجب أو مستحب، والذي نراه راجحًا أنه مستحب وليس بواجب لما سبق ذكره من أدلة ولأن صاحبه محسن والله يقول: (مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ) وإن كان الأفضل أن يفي به تأسيًا بالرسول -صلى الله عليه وسلم- حيث كان -عليه السلام- صادق الوعد لا يعد وعده إلى وفى به، وقد أثنى الله سبحانه وتعالى على سيدنا إسماعيل -عليه السلام- فقال: (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَّبِيًّا) [5] .
فصدق الوعد من الصفات الحميدة وخلفه من الصفات الذميمة التي ربما تؤدي بالمسلم والعياذ بالله إلى النفاق، كما رأينا في قصة ثعلبة، والمقام يقصر عن بيان فضيلة صدق الوعد وأيضًا في الوفاء بالوعد راحة للإنسان؛ إذ الكلمة وهي نعمة من الله للإنسان علينا إذا تحدثنا بها أن نتحدث بها في الخير، وفيما يفيد ومن ذلك الوفاء بالوعد إذا إذا تعذر، فوجب الشكر لنعمة البيان وغيرها أن تترجم ذلك بالوفاء بالوعد [6] .
والشريعة لا تفرق بين وعد بتعاقد ووعد بغيره فيكون الراجح في نظرنا أن الوعد بالتعاقد في الشريعة غير لازم فمن وعد آخر ببيع أو إيجار أو إعارة أو قرض أو هبة الخ فإن ذلك غير لازم على الراجح في الفقه الإسلامي.
وفي القانون:
رأينا حين الكلام عن تعريف الوعد وأنواعه، وأنه قد يكون من جانبين، وقد يكون من جانب واحد وهو ملزم في الصورتين كما هو واضح من نص المادة (101) مدني، عليه فإذا كان الوعد من جانب واحد، وأظهر الموعود له رغبته في الميعاد المتفق عليه واتصل ذلك بعلم الواعد، فإن العقد الموعود به ينعقد ولا يستطيع الواعد أن ينكر الوعد وإلا كان للموعود أن يقاضيه طالبًا إلزامه بالوفاء بالوعد، ويحل الحكم متى حاز قوة الشيء
(1) سبل السلام ج3 ص928.
(2) أستاذنا د/ عبد الناصر العطار، نظرية الالتزام ص86، 87.
(3) المحلى ج8 ص29.
(4) سورة التوبة من الآية 91.
(5) سورة مريم آية رقم 53.
(6) انظر أحكام القرآن لابن العربي ج4 ص1800، أحكام القرآن للجصاص ج3 ص 442، تفسير ابن كثير ج2 ص511، ج3 ص125، إحياء علوم الدين للغزالي ج3 ص114 - 116، وراجع نظرية العقد، د/ أنور دبور ص125، الشيخ الخفيف، التصرف الانفرادي ص195.