ثانيًا: من السنة:
(1) استدلوا بما روى عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- قال: «آية المنافق ثلاث إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا اؤتمن خان» متفق عليه، زاد في رواية مسلم: «وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم» [1] .
(2) واستدلوا بما روي عن عبد الله بن عمرو عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «أربع من كن فيه كان منافقًا خالصًا، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا وعد أخلف، وإذا خاصم فجر» .
ووجه الدلالة من الحديثين: إن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يرشدنا على الصفات الذميمة التي يجب ألا نتصف بها والصفات الحسنة التي يجب أن نتحلى بها، فعلى المسلم أن يتجنب الكذب والخيانة والغدر، وأن يتحلى بالصدق والأمانة والوفاء، وذكر أخلاق الوعد في سياق الذم دليل على تحريمه، وإذا حرم خلق الوعد وجب الوفاء به [2] .
وقد نوقش ذلك في عدة وجوه:
1)بأن الحديثين صحيحان ولكن ليسا على ظاهرهما، فليس كل عهد أو وعد يجب الوفاء به، بل المراد أن من وعد بواجب عليه كإنصاف من دين أو أداء حق، فإن الوفاء يلزمه يؤيد ذلك قول الله تعالى: (وَمِنْهُم مَّنْ عَاهَدَ اللهَ لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ 76.فَلَمَّا آتَاهُم مِّن فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُم مُّعْرِضُونَ 77.فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ) [3] ، حيث نزلت هذه الآيات في حق ثعلبة بن حاطب، وكان قد سأل النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يدعو له أن يرزقه الله مالًا ويؤدي منه كل ذي حق حقه الخ؛ فدعا له الرسول -صلى الله عليه وسلم- فوسع الله على ثعلبة ولكنه أخلف الوعد، حيث لم يؤد الصدقة الواجبة عليه بعد أن أرسل له الرسول -صلى الله عليه وسلم- رجلين لجمع الصدقة، وقال: ما هذه الأجزية ما هذه إلا أخت الجزية، انطلقا حتى أرى رأيي [4] .
ويؤيد أصحاب هذا الاتجاه رأيهم بأن الوعيد إذا كان في معصية كشرب خمر أو زنا فخلفه في تلك الحالة لا يعد معصية بل يكون طاعة [5] وأيضًا إذا وعد شخص آخر واستثنى بأن قال: سأعطيك مبلغًا إن شاء الله وخلف وعده لم يلزمه الحنث بالاتفاق، فكل هذا يدل على أنه ليس كل عهد أو وعد واجب فعله بل هو ما تعين على الإنسان أداؤه فقط [6] .
(1) رياض الصالحين للنووي ص 200، سبل السلام للصنعاني ج4 ص1174.
(2) سبل السلام ج4 ص1574، 1575 وانظر الترغيب والترهيب للمنذري ج4 ص41.
(3) سورة التوبة الآيات من رقم 75 - 77.
(4) تفسير ابن كثير ج2 ص374.
(5) أحكام القرآن لابن العربي ج4 ص442.
(6) المحلي ج8 ص28.